مشروع تجريم الاستعمار الفرنسي… مناورة سياسية أم إنصاف للذاكرة ؟
- 26 ديسمبر 2025
- 2 دقيقة قراءة

صوّت البرلمان الجزائري مؤخراً بالإجماع على مشروع قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي ويصفه بـ”جريمة دولة”، لكن هذا التصويت لم يلقَ الترحيب الشعبي الذي كانت السلطة تتوقعه. على العكس، أغلبية الجزائريين انتقدوا الخطوة واعتبروها مجرد مناورة سياسية ظرفية، جاءت كردة فعل مباشرة على قرار باريس فرض التأشيرة على الدبلوماسيين الجزائريين، أكثر من كونها مبادرة حقيقية لإنصاف الذاكرة الوطنية.
يرى المنتقدون أن مشروع تجريم الاستعمار الفرنسي يحمل في طياته مخاطر تتجاوز مسألة الاعتراف بالذاكرة الوطنية. فالقانون، بصيغته الحالية، قد يضع حدوداً صارمة على النقاش التاريخي، ويمنع الباحثين أو الصحفيين من تقديم قراءات جديدة أو نقدية لتلك الحقبة، مما يهدد حرية البحث والتعبير. كما أن تجريم بعض المواقف أو التصريحات قد يُستخدم ضد المعارضين السياسيين تحت غطاء “المساس بالذاكرة الوطنية”، وهو ما يفتح الباب أمام توظيف النص القانوني لأغراض سياسية أكثر من كونه أداة لإنصاف الضحايا. إضافة إلى ذلك، فإن التركيز على العقوبات بدل فتح نقاش مجتمعي حر حول التاريخ يعكس رغبة في التحكم في السردية الرسمية، أكثر من الرغبة في بناء توافق وطني حقيقي حول الماضي الاستعماري.
وهذا يثير مخاوف من أن يتحول النص إلى أداة سياسية لإسكات الأصوات النقدية أو الأكاديمية التي تتناول التاريخ بقراءات مختلفة.
في المقابل، المدافعون عن القانون يرون أنه يهدف إلى حماية الذاكرة الوطنية من محاولات “تبييض الاستعمار” أو “تمجيده”، خاصة بعد أن أقرّت فرنسا في السابق نصوصاً تمجّد دورها الاستعماري. لكن هذا التبرير لم يقنع كثيرين، الذين يعتبرون أن حرية التعبير هي الضمانة الأساسية لعدم تكرار التلاعب بالتاريخ.
فكرة تجريم الاستعمار ليست جديدة؛ فقد طرحها الباحث والمؤرخ محمد أرزقي فراد عن حزب الأفافاس منذ بداية الألفينات، لكنها بقيت حبيسة النقاش الأكاديمي والسياسي لأكثر من عقدين. عودتها اليوم إلى الواجهة، وفي ظرف دبلوماسي متوتر، جعل كثيرين يرون أن الإجماع البرلماني لا يعكس قناعة راسخة، بل محاولة لإظهار وحدة شكلية أمام الخارج.
على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر مواطنون عن استيائهم بعبارات مباشرة، منها:
•“هذا القانون مجرد ذر رماد في العيون، لا أكثر ولا أقل.”
•“لو كانت هناك جدية، لتم طرح المشروع منذ سنوات، وليس كردة فعل على أزمة التأشيرات.”
•“الإجماع البرلماني لا يعكس الإجماع الشعبي، نحن نرى أن البرلمان غائب عن القضايا الحقيقية.”
•“استغلال ملف الذاكرة الوطنية بهذا الشكل يضعف مصداقية المؤسسات التمثيلية.”
الانتقادات الشعبية تركزت على نقطتين أساسيتين: الأولى أن القانون لن يغيّر شيئاً عملياً في العلاقات الجزائرية الفرنسية، والثانية أن البرلمان اكتفى برد فعل ظرفي بدل أن يبادر بمشروع استراتيجي طويل المدى لإنصاف التاريخ.
وبينما يقدَّم القانون رسمياً كخطوة تاريخية لترسيخ الذاكرة الوطنية، يبقى في نظر كثير من الجزائريين مجرد ورقة ضغط في لعبة العلاقات الجزائرية–الفرنسية، أكثر منه مشروعاً حقيقياً لإنصاف الماضي. هذه المفارقة بين الخطاب الرسمي والقراءة الشعبية تكشف عن أزمة ثقة متجددة بين المواطن ومؤسساته التمثيلية، وتطرح سؤالاً أعمق حول جدية السلطة في معالجة ملفات الذاكرة بعيداً عن الحسابات السياسية الظرفية.
نسرين ج



تعليقات