top of page

تكريم وزارة المجاهدين لحسين آيت أحمد : بين الوفاء للتاريخ وواجب قراءة المسار

  • cfda47
  • قبل يوم واحد
  • 4 دقيقة قراءة

بعد عشر سنوات كاملة من رحيل المجاهد والمناضل حسين آيت أحمد، اختارت وزارة المجاهدين تنظيم ندوة لتكريم أحد أبرز رموز الحركة الوطنية والمعارضة الديمقراطية في الجزائر. ورغم أن المبادرة تحمل في ظاهرها اعترافا متأخرا بقيمة الرجل، إلا أنها تطرح أسئلة عميقة حول علاقة الدولة بذاكرة شخص ظلّ خارج كل أشكال التوظيف السياسي، ورفض أن يُختزل في صورة “المجاهد” فقط، بينما كان مشروعه أكبر من ذلك بكثير.


تقدّم الندوة التي نظمتها وزارة المجاهدين وذوي الحقوق حول شخصية المجاهد الراحل حسين آيت أحمد نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف الذاكرة الوطنية في الخطاب الرسمي الجزائري، سواء من حيث استحضار الرموز التاريخية أو من حيث إعادة تأكيد الثوابت الوطنية في سياق سياسي واجتماعي متحوّل.


خلال مساره ، تمّ تخوين حسين آيت أحمد لأنه كان من أوائل المعارضين للنظام بعد الاستقلال. رفض احتكار السلطة، وطالب بالديمقراطية والتعددية في وقت كانت فيه الدولة تتجه نحو حكم الحزب الواحد. أسس جبهة القوى الاشتراكية سنة 1963، فاعتُبر ذلك تحدياً مباشراً للسلطة. انتقاداته لعسكرة الدولة ورفضه للمساومات السياسية جعلاه يُصوَّر كـ”متمرد” و”خارج عن الصف”. كما أن هروبه من السجن زاد من حملات التشويه ضده. في الحقيقة، كان تخوينه وسيلة لإسكات صوت معارض قوي يمتلك شرعية ثورية وشعبية واسعة.


بالتّالي فعلاقة حسين آيت أحمد بالنظام الجزائري كانت من أكثر العلاقات تعقيداً وتوتراً في تاريخ الجزائر المستقلة. لم تكن علاقة خطّية أو بسيطة، بل مرت بمراحل صدام، قطيعة، محاولات احتواء، ثم احترام متأخر بعد وفاته.


جنازة رجل عاش زاهدا ورحل كما عاش


يظهر من خلال كلمة وزير المجاهدين أن الخطاب الرسمي يواصل الاعتماد على الرموز الكبرى للثورة التحريرية باعتبارها رصيدًا سياسيًا وأخلاقيًا. فحسين آيت أحمد يُقدَّم هنا بوصفه "شخصية وطنية جامعة”، “حاملًا لمشروع وطني شامخ” و“منارة للأجيال”.


هذه العبارات، رغم صدقها التاريخي، تكشف أيضًا عن نزعة تمجيدية تُغلب الجانب الرمزي على التحليل الموضوعي لمسيرة الرجل، التي كانت في كثير من مراحلها نقدية ومعارضة للسلطة بعد الاستقلال. وهذا الغياب الملحوظ للإشارة إلى مواقفه السياسية اللاحقة يعكس رغبة في ترويض الذاكرة وإعادة إدماج شخصية معارضة ضمن سردية وطنية موحدة.


حسين آيت أحمد، الذي ظلّ زاهدا في حياته إلى آخر لحظة، رفض الجنازة الرسمية ورفض الطائرة الخاصة التي عُرضت لنقل جثمانه. نُقل في رحلة عادية، ودُفن في مسقط رأسه إلى جانب قبر والدته، التي حُرم من وداعها بسبب سنوات النضال والمنفى. كانت جنازته حدثا وطنيا وشعبيا استثنائيا، أشبه باستفتاء على مكانته في قلوب الجزائريين. لم تكن بروتوكولا رسميا، بل لحظة صادقة أعادت الاعتبار لرجل عاش من أجل الناس ودفن بينهم.


من الثورة إلى الديمقراطية… مسار لا يشبه غيره


إعادة التذكير بحادثة 22 أكتوبر 1956، وربطها بـ”خيانة الجارة الغربية”، يدخل ضمن خطاب سياسي راهن يستثمر الماضي لتغذية مواقف الحاضر. فالحدث التاريخي يُستعاد هنا ليس فقط لتكريم حسين آيت أحمد، بل أيضًا لتأكيد سردية سياسية معاصرة حول العلاقات الإقليمية.


الجزائر تزخر بآلاف الشهداء والمجاهدين، لكن خصوصية آيت أحمد لا تكمن فقط في مشاركته في الثورة التحريرية، بل في استمراره في النضال بعد الاستقلال. كان من القلائل الذين أدركوا مبكرا أن تحرير الأرض لا يكتمل دون تحرير الإنسان، وهي العبارة التي تحولت إلى بوصلة لمساره السياسي والفكري.


منذ 1962 إلى 2015، عاش الاعتقال، السجن، النفي، والتخوين. رفض وقف المسار الانتخابي في التسعينيات، وانسحب من انتخابات رئاسية حين رأى أن قواعد اللعبة انقلبت، رافضا أن يكون “أرنب سباق” في مشهد سياسي محسوم النتائج.


محطات سياسية صنعت رمزية الرجل


المداخلات الأكاديمية التي قُدمت حول دور الراحل آيت أحمد في المنظمة الخاصة والعمل الدبلوماسي مهمة من حيث القيمة العلمية، لكنها جاءت في النص محاطة بخطاب تمجيدي يجعلها أقرب إلى التزكية التاريخية منها إلى البحث النقدي. أما شهادة زهور ونيسي، فتعكس البعد العاطفي في الندوة، لكنها تظل ضمن إطار التقديس الرمزي الذي يطغى على أي محاولة لقراءة نقدية لمسيرة الرجل.


لم يكن حسين آيت أحمد مجرد شاهد على التاريخ، بل صانعا له. من زدين إلى باندونغ، ومن العمل الثوري إلى النضال الديمقراطي، مرّ بمحطات مفصلية أبرزها ندوة عين البنيان سنة 2004 التي جمعته بعبد الحميد مهري ومولود حمروش، في لحظة نادرة جسدت إمكانية بناء مشروع ديمقراطي وطني جامع.


ربع قرن من النضال ضد الاستعمار، وأكثر من نصف قرن من أجل دولة مدنية ديمقراطية، جعلت منه شخصية استثنائية في تاريخ الجزائر السياسي. رفض الامتيازات، وابتعد عن الإغراءات، وظل وفيا لفكرة الدولة المدنية والمجتمع الحر.


ذاكرة تُستعاد… أم تُستغل؟


من أبرز نقاط الضعف في الخطاب الرسمي حول المجاهد حسين آيت أحمد هو تجاهل مسيرته السياسية بعد الاستقلال، خاصة تأسيسه لجبهة القوى الاشتراكية، معارضته الشرسة للنظام، مواقفه من التعددية والديمقراطية ونضاله من أجل دولة مدنية.


هذه الجوانب تُعد جزءًا أساسيًا من إرثه، لكن الخطاب الرسمي يتجنبها لأنها لا تنسجم مع السردية الموحدة التي يريد تقديمها.


اختزال حياة آيت أحمد في مرحلة الثورة فقط هو شكل من أشكال التبسيط المخلّ، بل وربما محاولة لإعادة إنتاج “الشرعية الثورية” التي كان يرفضها. فقد قال عند عودته إلى الجزائر: “أعود كمناضل، لا كتاريخي”. كان واعيا بأن التاريخ قد يتحول إلى أداة للتوظيف، لذلك ظلّ متمسكا بمسافة نقدية من السلطة ومن كل أشكال التقديس السياسي.


شعب أعاد الاعتبار لرجل لم يساوم


الندوة، رغم أهميتها في حفظ الذاكرة الوطنية، تكشف عن استمرار النزعة الرسمية في إعادة تشكيل الرموز التاريخية بما يخدم خطاب الدولة.

فحسين آيت أحمد، الذي كان رمزًا للثورة، كان أيضًا رمزًا للمعارضة الديمقراطية، وهذا البعد غيّب تمامًا في الندوة. وبذلك يتحول الرجل من شخصية متعددة الأبعاد إلى أيقونة وطنية مسطّحة تُستخدم لتعزيز سردية سياسية أكثر منها قراءة تاريخية موضوعية.


الاعتراف الحقيقي لم يكن في الندوات ولا في الفنادق الفاخرة، بل في جنازته المهيبة، وفي الحراك الشعبي عام 2019، حين رفع الجزائريون شعارات الدولة المدنية، الإرادة الشعبية، والديمقراطية… وهي نفس المبادئ التي وهب لها آيت أحمد حياته. بينما كان الانتهازيون يتصارعون على مكاسب ظرفية، كان الشعب يستعيد جوهر المشروع الذي حمله الرجل.


حاج إبراهيم

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page