top of page

هل سيمنح مشروع قانون المالية لسنة 2027 السلطات مزيدًا من الرقابة على حياة المواطنين؟

قبل 11 دقيقة
3 دقيقة قراءة

توسيع صلاحيات الإدارة الجبائية لجمع المعلومات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي يفتح نقاشًا حول حدود مكافحة التهرب الضريبي وضمانات حماية الخصوصية والحريات الفردية.


يتجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 في الجزائر إلى توسيع أدوات الرقابة الجبائية لتشمل الفضاء الرقمي، من خلال تمكين الإدارة الجبائية من جمع ومعالجة واستغلال المعلومات المتاحة للعموم على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، في خطوة تطرح تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين مكافحة التهرب الضريبي وحماية الحياة الخاصة للمواطنين.


وتنص المادة 79 من المشروع على تعديل المادة 18 من قانون الإجراءات الجبائية، بما يسمح لمصالح الضرائب باستخدام المعلومات المنشورة علنًا للكشف عن مؤشرات عدم التناسق بين التصريحات الجبائية والمعطيات المتاحة على الإنترنت. وتستهدف الآلية، وفق عرض الأسباب، توسيع الوعاء الضريبي وإدراج المداخيل الناتجة عن الاقتصاد الرقمي، بما فيها أنشطة المؤثرين وبيع السلع والخدمات عبر الإنترنت ومختلف الخدمات الرقمية التي قد لا يُصرح بمداخيلها كليًا أو جزئيًا.


ولا يقتصر المقترح على الاطلاع التقليدي على المنشورات، إذ يشير عرض الأسباب إلى اعتماد أداة معلوماتية تتيح الجمع الآلي للمعطيات المتاحة للعموم وتنظيمها ومقاطعتها وتحليلها على نطاق واسع، بهدف تحديد الحالات التي تستدعي الرقابة الجبائية. ويستند المشروع في تبرير هذا التوجه إلى تجارب إدارات جبائية في بلجيكا وكندا والمملكة المتحدة.


ويعرّف النص المعلومات المتاحة للعموم بأنها المحتويات التي يمكن الاطلاع عليها دون المرور بآلية المصادقة أو تجاوز إعدادات الخصوصية، بما يشمل المنشورات والصور والأوصاف المتعلقة بالسلع والأنشطة المنشورة للعموم. غير أن هذا التحديد لا ينهي بالضرورة النقاش حول كيفية تفسير المعلومات المستخرجة، ولا حول المعايير التي ستُعتمد لتحديد وجود تفاوت يستدعي فتح تحقيق جبائي.


من مكافحة التهرب الضريبي إلى سؤال الضمانات

وتكتسب هذه الصلاحيات بعدًا إضافيًا مع المادة 88 من المشروع، التي تقترح استحداث المادة 64 مكرر 2 من قانون الإجراءات الجبائية، وتنص على الاحتفاظ بالمعلومات التي تجمعها الإدارة الجبائية طوال المدة اللازمة لتحقيق الغرض منها، على ألا تتجاوز ست سنوات. ويعيد هذا الإجراء طرح مسألة تناسب مدة الاحتفاظ بالبيانات مع طبيعة الغرض الجبائي الذي جُمعت من أجله.


وتكمن إحدى نقاط الخلاف المحتملة في مفهوم «مؤشرات عدم التناسق» بين نمط النشاط الظاهر على الإنترنت والمداخيل المصرح بها. فالمحتوى المنشور على منصات التواصل لا يقدم بالضرورة صورة كاملة عن الوضع المالي لصاحبه، كما أن عرض مستوى معيشي معين أو نشر صور لممتلكات لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود دخل غير مصرح به. لذلك، تبرز أهمية إخضاع نتائج المعالجة الآلية للتحقق الفعلي، وضمان حق المعنيين في تقديم التوضيحات والطعن في القرارات التي قد تمس مصالحهم.


ولا يعني ذلك أن استخدام المعلومات العلنية في الرقابة الجبائية يشكل تلقائيًا انتهاكًا للخصوصية، لكنه يجعل تحديد شروط الجمع والمعالجة والاحتفاظ بالبيانات، وضمانات الاعتراض على نتائجها، جزءًا أساسيًا من النقاش حول مشروعية هذه الصلاحيات وحدودها.


ويمتد نطاق الإجراءات المقترحة إلى جوانب أخرى من الرقابة الجبائية. فالمادة 86 تقترح تمديد أجل ممارسة الدولة حق الشفعة على بعض العقارات والحقوق العقارية والمحلات التجارية من ثلاثة أشهر إلى سنة، عندما ترى الإدارة أن الثمن المصرح به غير كافٍ. أما المادة 87 فتوسع حالات التقييم التلقائي للأسس الضريبية لتشمل الاعتراض على تنفيذ عملية رقابة جبائية وفق الشروط المحددة في قانون الإجراءات الجبائية.


وفي مجال التجارة الإلكترونية، يقترح المشروع، من خلال المادة 58، نظامًا خاصًا بمتعاملي منصات التجارة الإلكترونية، يتضمن التزامات مرتبطة بتسجيل المنصات والتصريح بمعلومات عن البائعين ومقدمي الخدمات والمبالغ المرتبطة بأنشطتهم، إلى جانب تدابير تتعلق بمخالفة الالتزامات الجبائية. ويعكس ذلك توجهًا نحو إخضاع الاقتصاد الرقمي لقواعد أكثر وضوحًا في التصريح بالمداخيل ومراقبة المعاملات. 


أين تنتهي صلاحيات الإدارة وتبدأ ضمانات المواطنين؟

في المقابل، لا يتعلق النقاش برفض مكافحة التهرب الضريبي أو إعفاء الأنشطة الرقمية من الالتزامات القانونية، بل بضرورة التمييز بين توسيع وسائل التحصيل الجبائي ومنح الإدارة صلاحيات واسعة في جمع البيانات ومعالجتها. ففعالية الرقابة لا تقاس فقط بحجم المعلومات المتاحة، وإنما أيضًا بوضوح المعايير المستخدمة، ودقة التحقق من المعطيات، وإمكانية مراجعة القرارات والطعن فيها أمام الجهات المختصة.


وتطرح مسألة تعليق الولوج إلى بعض المنصات، عند مخالفة الالتزامات القانونية، بدورها تساؤلات بشأن شروط اتخاذ القرار الإداري والضمانات المتاحة للمتضررين. ويستدعي تقييم هذه الصلاحيات الرجوع إلى الصياغة الكاملة للأحكام ذات الصلة، وما تقرره من إجراءات للطعن والرقابة القضائية، بدل افتراض غياب هذه الضمانات أو توافرها دون تحقق.


كما أن الإحالة إلى تشريعات حماية المعطيات الشخصية، حتى عندما تكون واردة في النصوص ذات الصلة، لا تعفي من ضرورة التحقق من كيفية تطبيقها عمليًا على الجمع الآلي للمعلومات، ومدد الاحتفاظ بها، والجهات المخولة بالوصول إليها، والآليات التي تتيح للأفراد تصحيح المعطيات غير الدقيقة أو الاعتراض على استخدامها.


وصودق على مشروع قانون المالية لسنة 2027 في مجلس الوزراء يوم 4 أكتوبر 2026، في انتظار استكمال مساره التشريعي. وعليه، فإن الصلاحيات الواردة في المشروع ينبغي تناولها باعتبارها تدابير مقترحة، لا أحكامًا نافذة بمجرد ورودها في الوثيقة. 


وبين هدف توسيع الوعاء الضريبي ومكافحة المداخيل غير المصرح بها، ومطلب حماية الحياة الخاصة، يبقى السؤال المطروح: هل ستواكب الرقابة الرقمية ضمانات قانونية وقضائية واضحة تحول دون التوسع في تفسير البيانات الشخصية أو إساءة استخدامها؟ فمدى تأثير مشروع قانون المالية على حريات الجزائريين لن يتحدد بمجرد اعتماد أدوات رقمية جديدة، بل أيضًا بحدود استخدامها، وشفافية معاييرها، وفعالية الرقابة على ممارستها.



نسرين ج


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page