top of page

أنبوب الغاز النيجيري بين الحقيقة الغائبة والضجيج المصنوع

  • قبل يوم واحد
  • 2 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: قبل 6 ساعات


يتحوّل مشروع أنبوب الغاز النيجيري، كلما عاد إلى الواجهة، إلى مرآة تعكس هشاشة المشهد الإعلامي المغاربي أكثر مما يعكس واقع الطاقة في غرب إفريقيا. فبينما تتعامل المؤسسات النيجيرية مع الملف بمنطق المصالح البحتة، يصرّ جزء من الإعلام الجزائري والمغربي على تحويله إلى مادة للتهريج الوطني، وكأن الأمر يتعلق بمباراة كرة قدم لا بمشروع جيو–طاقوي معقّد يحتاج سنوات من الدراسات والتمويلات الضخمة.


في الواقع، لا يوجد “أنبوب واحد” كما يروّج البعض، بل مساران مختلفان تمامًا: مشروع نيجيريا–الجزائر عبر النيجر، ومشروع نيجيريا–المغرب عبر دول غرب إفريقيا. كلاهما قائم على الورق، وكلاهما لم يتحول إلى ورشة فعلية رغم مرور سنوات على توقيع الاتفاقيات الأولية. هذا المعطى البسيط، الذي يفترض أن يكون بديهيًا، يغيب عن كثير من التغطيات التي تفضّل الانحياز إلى سرديات وطنية جاهزة بدل العودة إلى أبوجا، حيث تُصنع القرارات الحقيقية.


النيجيريّون لا يتحدثون بلغة “الانتصار” و”الهزيمة”. تصريحات مسؤوليهم، من وزير النفط إلى الشركة الوطنية للبترول، تؤكد أن البلد يبحث عن منافذ متعددة للغاز نحو أوروبا، وأنه لا يريد الدخول في صراع الجزائر–المغرب. بالنسبة لهم، المساران ليسا متناقضين بل متكاملين: أحدهما أقصر وأقل تكلفة عبر الجزائر، والآخر يمنح نيجيريا نفوذًا سياسيًا في غرب إفريقيا عبر المغرب. هذا الموقف البراغماتي يفسّر لماذا لم يصدر عن أبوجا أي إعلان يلغي أحد المشروعين أو يمنح الآخر أولوية نهائية.


أما اجتماع فريتاون الذي أثار ضجة في بعض الصحف، فهو ببساطة لقاء لدول ECOWAS المعنية بمسار المغرب، ولا علاقة له بإقصاء الجزائر التي ليست عضوًا في هذا التكتل أصلًا. لكن الإعلام الذي يعيش على الإثارة يفضّل دائمًا قراءة سياسية مفتعلة بدل فهم السياق المؤسساتي.


السبب الحقيقي وراء الجمود ليس سياسيًا بقدر ما هو مالي وأمني. المنطقة الممتدة بين نيجيريا والنيجر والجزائر تعيش اضطرابات مزمنة، والانقلاب في النيجر زاد الوضع تعقيدًا. شركات الطاقة العالمية تتردد في ضخ مليارات الدولارات في مشاريع تمر عبر مناطق غير مستقرة. أوروبا نفسها، بعد أزمة الغاز، لم تعد مستعدة لالتزامات طويلة الأمد، وتبحث عن حلول قصيرة المدى بدل استثمارات تمتد لعقود. كل هذا يجعل المشروعين، رغم الضجيج الإعلامي، في مرحلة “النية” أكثر مما هما في مرحلة “التنفيذ”.


في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي بسيطًا ومحرجًا: لماذا لم ينطلق أي مشروع منذ 2021؟ الإجابة موجودة في أبوجا، لا في الجزائر ولا في الرباط. التمويل غير متوفر، الوضع الأمني هش، والطلب الأوروبي غير مستقر. هذه هي الحقائق التي يجب أن تُطرح مباشرة على المسؤولين النيجيريين بدل الاكتفاء بتصريحات محلية لا تملك سلطة القرار.


التحليل الرصين يقتضي الاعتراف بأن نيجيريا تتعامل مع الملف بمنطق المصالح، وأنها لن تختار مسارًا نهائيًا قبل أن تتضح الظروف المالية والسياسية في المنطقة، وهو ما قد لا يحدث قبل 2027 على الأقل. أما تحويل المشروع إلى مادة للتطبيل أو للتخوين فهو مجرد انعكاس لأزمة إعلامية أعمق، حيث تُستبدل الوقائع بالرغبات، وتُستبدل الأسئلة الحقيقية بالانفعالات.


في النهاية، الحقيقة الوحيدة الصلبة هي أن المشروعين موجودان، وأن لا أحد فاز ولا أحد خسر. كل ما عدا ذلك ضجيج. ومن يريد معلومة نهائية، عليه أن يذهب إلى نيجيريا ويسأل أصحاب القرار مباشرة، لأنهم وحدهم يملكون الإجابة التي لا يستطيع الإعلام المحلي، بكل ضجيجه، أن يقدّمها.


حكيم ش













 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page