top of page

انتقال وفد حقوقي إلى نيودلهي : واجهة دبلوماسية تخفي أزمة حقوق الإنسان في الجزائر

15 سبتمبر
2 دقيقة قراءة

تبدو مشاركة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في برنامج تبادل الخبرات بنيودلهي محاولة جديدة لإظهار انخراط الجزائر في ديناميكية دولية حول حقوق الإنسان، لكن هذا النوع من الأنشطة الخارجية لم يعد يقنع أحداً. فبينما يسافر الوفد إلى الهند لتبادل “الممارسات الفضلى”، تواصل المنظمات الدولية توثيق تدهور غير مسبوق في الحريات داخل البلاد، في مفارقة تكاد تكون صادمة.


ففي تقارير حديثة، وصفت منظمة العفو الدولية الوضع الحقوقي في الجزائر بأنه يشهد “تجريماً ممنهجاً للمعارضة السلمية”، مشيرة إلى استمرار استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد نشطاء سياسيين ونقابيين وصحفيين. أما هيومن رايتس ووتش فذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن السلطات “تستخدم القضاء كأداة لإسكات الأصوات المستقلة”، وأن الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة أصبحت “جزءاً من المشهد اليومي”. وفي تقييمها السنوي، صنّفت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) الجزائر ضمن الدول التي تشهد “تراجعاً حاداً في الضمانات الأساسية”، مع الإشارة إلى التضييق على الجمعيات ورفض تسجيل المنظمات المستقلة.


وسط هذا الكم من الانتقادات، يواصل المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقديم مشاركاته الخارجية باعتبارها دليلاً على انخراط الجزائر في شبكات التعاون الحقوقي. غير أن هذا الانخراط يبقى شكلياً حين لا ينعكس على وضع الحريات داخل البلاد. فالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لا تُقاس بعدد الندوات الدولية التي تحضرها، بل بمدى استقلاليتها وقدرتها على مساءلة السلطة، وهي وظيفة لم يمارسها المجلس إلا في حدود ضيقة لا تمسّ جوهر الإشكالات الحقوقية. إن الحديث عن “تعزيز التعاون الدولي” يصبح بلا معنى حين تكون المؤسسة عاجزة حتى عن إصدار موقف واضح تجاه الاعتقالات التي تطال نشطاء سلميين أو نقابيين، أو تجاه القيود التي تخنق المجتمع المدني.


البرنامج الهندي، الذي يمتد خمسة أيام، يهدف إلى تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في مواجهة التحديات الراهنة. لكن التحدي الحقيقي ليس في اكتساب مهارات جديدة، بل في امتلاك الإرادة السياسية لاستخدامها. فالمجلس لا يعاني من نقص في التدريب، بل من نقص في الاستقلالية. إذ لا يمكن لمؤسسة أن تدافع عن الحقوق حين تكون مرتبطة عضوياً بالسلطة التي تُتهم بانتهاكها.


الأكثر إثارة للسخرية أن هذه المشاركة تُقدَّم باعتبارها خطوة لتعزيز التعاون الدولي، بينما الجزائر تواجه انتقادات متزايدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وفي آليات الإجراءات الخاصة، وفي تقارير المقررين الأمميين. فكيف يمكن لمؤسسة وطنية أن تتحدث عن “الممارسات الفضلى” وهي تتجاهل، بشكل منهجي، ما توثّقه المنظمات الدولية من انتهاكات داخلية؟


إن حضور المجلس في نيودلهي لا يغيّر شيئاً في المعادلة الحقوقية داخل الجزائر. فالمشكلة ليست في السفر، بل في الصمت. ليست في الورشات، بل في غياب الجرأة. ليست في التعاون الدولي، بل في غياب القدرة على مساءلة السلطة. ما تحتاجه الجزائر ليس مزيداً من الصور الجماعية في الخارج، بل مؤسسة وطنية مستقلة فعلاً، قادرة على قول الحقيقة كاملة، لا نصفها.


نسرين ج



تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page