top of page

حوارٌ مؤجَّل وخطابٌ منفتح : بين وعود تبون المتكرّرة وواقع القيود المتواصلة

  • قبل 5 دقائق
  • 3 دقيقة قراءة

أجرى رئيس الجمهورية،  عبد المجيد تبون، مساء اليوم لقاءه الإعلامي الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، الذي بُثّ عبر مختلف القنوات التلفزيونية والإذاعية ابتداء من الساعة التاسعة مساءً. وجدد الرئيس، في محور الحوار مع الأحزاب السياسية، التزامه بفتح هذا الحوار مع بداية الدخول الاجتماعي المقبل، أي بداية من شهر سبتمبر القادم.


وعد يتجدد منذ عامين

ليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس تبون عن نيته فتح "حوار وطني شامل" يجمع مختلف القوى السياسية في البلاد. فمنذ إعادة انتخابه لعهدة ثانية في خريف 2024، وعقب أدائه اليمين الدستورية مباشرة، تعهد الرئيس بإطلاق هذا الحوار بإشراك الطاقات الحية للوطن. غير أن الموعد الذي حُدد أولاً لنهاية 2025 ثم أُرجئ إلى مطلع 2026، ظل معلقاً أكثر من مرة، وربطته السلطة في كل مناسبة بشرط مسبق جديد، من مصادقة البرلمان على قانون الأحزاب إلى مراجعة قانون الانتخابات، دون أن يُحدَّد سقف زمني واضح لانطلاقه الفعلي. وبتصريحه اليوم، يكون الرئيس قد قدّم للمرة الأولى أفقاً زمنياً أكثر تحديداً، وإن ظل مرهوناً - كما جرت العادة - بمآلات لاحقة.


يأتي هذا التصريح في سياق انفتاح لفظي متجدد تجاه المعارضة، إذ وجّه الرئيس تبون خلال الأيام الأخيرة رسائل إلى الجزائريين المقيمين خارج الوطن، مؤكداً خلال لقاء مع أفراد الجالية على هامش زيارة رسمية إلى ألمانيا حق كل جزائري في انتقاد السلطة، بشرط الابتعاد عمّا وصفه بالسب والشتم. ورافق ذلك حديث عن تسوية وضعية عدد من المقيمين في الخارج وعودة شخصيات معارضة، من بينها الدكتور سعيد سعدي، الرئيس الأسبق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. لكن هذه الإشارات قوبلت بتشكيك من ناشطين اعتبروها محاولة لتحسين الصورة أمام الشركاء الغربيين أكثر منها انفتاحاً حقيقياً.


فجوة بين الخطاب والممارسة

في مقابل هذا الخطاب، تكشف عدة وقائع موثقة عن استمرار قيود ميدانية طالت أصواتاً معارضة ونشطاء وصحفيين: الناشطة الحقوقية نصيرة ديتور مُنعت من دخول الجزائر عند وصولها إلى مطار هواري بومدين قادمة من فرنسا، واستُجوبت ثم رُحّلت، رغم أنها مواطنة جزائرية، فيما رفضت محكمة جزائرية لاحقاً طعنها في القرار. الصحافي فريد عليلات واجه سيناريو مشابهاً بمنعه من دخول بلاده وإعادة ترحيله مع الصحفي إحسان القاضي، مؤسس "راديو أم"، ما يزال محروماً من جواز سفره منذ 2021 رغم الإفراج عنه في نوفمبر 2024، وقد مُنع مجدداً من مغادرة البلاد في أكتوبر 2025 لتسلّم جائزة دولية للحرية الإعلامية ، الكاتب والصحفي مصطفى بن فضيل مُنع من السفر لحضور مهرجان أفينيون المسرحي، دون أي تبليغ قضائي أو إداري رسمي بذلك رفقة كل من الصحفي سعيد بودور ومصطفى بن جامع، المعارض فتحي غراس، المنسق الوطني لحزب تم تجميد نشاطه قضائياً، صدر بحقه حكم بالسجن سنتين نافذتين بتهم متعلقة بـ"إهانة رئيس الجمهورية" و"نشر أخبار كاذبة". نقابة "كنابست" تواجه دعوى حل قضائي بعد سلسلة إضرابات نظمتها، وهو ما وصفته بمحاولة لتحييدها.


عزوف انتخابي وجدل اقتصادي

تعزز هذه الفجوة الجدل الذي أعقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي سجلت نسبة مشاركة متدنية تاريخياً، حيث حمّلت جهات مقربة من دوائر القرار الأحزاب مسؤولية العزوف، بينما اعتبرته المعارضة رسالة موجهة إلى السلطة نفسها. وفي الملف الاقتصادي، أثارت تحذيرات مؤسسات مالية دولية بشأن تراجع احتياطي الصرف جدلاً مماثلاً بين من اعتبرها غير جديدة ومن رأى فيها مؤشراً على هشاشة النموذج القائم.


وكان الرئيس تبون قد نفى في تصريحات سابقة وجود ما يسمى بـ"معتقلي الرأي" في الجزائر، معتبراً أن الملاحقات القضائية التي طالت بعض النشطاء والصحفيين مرتبطة بتهم يعاقب عليها القانون لا بممارسة النشاط السياسي أو الإعلامي، وهو ما رفضته أحزاب المعارضة التي جددت مطالبتها بحوار وطني شامل يفضي إلى خارطة طريق واضحة.


الحوار كاختبار حقيقي

بين إعلان متجدد عن حوار وطني لم يتحدد موعده النهائي فعلياً بعد، وخطاب يدعو معارضي الخارج للعودة والمشاركة في النقاش العام، تستمر إجراءات المنع من السفر والملاحقات القضائية التي طالت نشطاء وصحفيين ونقابيين. هذه الفجوة بين القول والفعل تبقى، بحسب متابعين، أحد أبرز ما يغذي التشكيك في جدية مسار الانفتاح السياسي الذي تروّج له السلطة، ويجعل من التزام اليوم اختباراً حقيقياً قادماً لمدى تطابق الخطاب الرسمي مع الممارسة على الأرض.



حاج إبراهيم


 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page