top of page

خطاب الرفض ومتطلبات العدالة التاريخية : جدل الاعتذار والتعويض في ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا

  • 27 يناير
  • 2 دقيقة قراءة

أثار تصريح السيناتور محمد بلعياشي، عضو مجلس الأمة، نقاشاً واسعاً بعدما أعلن رفضه لما سماه “منطقة الاعتذار”، معتبراً إياها هروباً من المسؤولية، ورفضه كذلك التعويض المادي بدعوى أنه “تسليع لدم الشهداء”. هذا الموقف أثار استغراب كثيرين، لأنه يتناقض مع ما هو معمول به في العلاقات الدولية ومع ما تنص عليه القوانين الجزائرية نفسها في قضايا جبر الضرر.


فالاعتذار في السياق السياسي ليس هروباً من المسؤولية، بل هو اعتراف رسمي بالجرائم المرتكبة، وخطوة أولى نحو تحمل تبعاتها. الدول التي واجهت ماضيها الاستعماري أو العنصري لم تعتبر الاعتذار ضعفاً، بل مدخلاً للمصالحة الحقيقية. أما رفض الاعتذار دون تقديم بديل عملي، فيحوّل قانون تجريم الاستعمار إلى مجرد نص رمزي لا يترتب عنه أثر فعلي.


أما التعويض، فليس “ثمناً للدم” كما يُروَّج، بل هو جبر للضرر الناتج عن الجرائم. في القانون الجزائري، كما في كل القوانين، يُلزم الجاني بدفع تعويض للضحية أو ذويها في حالات القتل العمدي أو الخطأ، وفي جرائم الحرق والتخريب والاعتداءات الجسدية. لم يُفهم هذا يوماً على أنه تسليع للروح البشرية، بل ممارسة طبيعية للعدالة. فكيف يصبح التعويض عن جرائم الاستعمار — التي شملت الإبادة والتهجير والتدمير ونهب الممتلكات — أمراً مرفوضاً؟


المفارقة الأكبر أن الدولة الجزائرية نفسها اعتمدت مبدأ التعويض في قانون السلم والمصالحة الوطنية سنة 2006، حيث تم تعويض ضحايا الإرهاب وضحايا الاختفاء القسري وعائلات المفقودين والمتضررين من العنف المسلح. لم يقل أحد حينها إن التعويض “تسليع للدماء”، بل اعتُبر خطوة ضرورية لتهدئة الجراح الاجتماعية. فإذا كان التعويض الداخلي مشروعاً، فلماذا يصبح مرفوضاً عندما يتعلق الأمر بجرائم الاستعمار الفرنسي؟


الملف اليوم يحتاج إلى رؤية واضحة تتجاوز الخطابات الانفعالية: اعتذار رسمي يقرّ بالجرائم، تعويضات مادية ومعنوية وفق المعايير الدولية، فتح كامل للأرشيف، والاعتراف بالمجازر والإبادات وإعادة الممتلكات المنهوبة. هذه ليست مطالب “تسليع”، بل عناصر أساسية في أي مسار للعدالة التاريخية.


التصريحات التي ترفض الاعتذار والتعويض دون تقديم بدائل عملية تساهم في إفراغ ملف الذاكرة من محتواه، وتحوله إلى مجرد شعار سياسي. أما العدالة الحقيقية، فلا تتحقق إلا بالاعتراف والمحاسبة وجبر الضرر، وهي مبادئ تكرّم الشهداء ولا تنتقص من تضحياتهم.


حاج إبراهيم


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page