طوابير الهجرة تعود إلى الواجهة… لماذا يغادر الجزائريون “الجزائر الجديدة”؟
- قبل 4 أيام
- 2 دقيقة قراءة

تشهد القنصلية الإسبانية بالجزائر العاصمة منذ الساعات الأولى من صباح اليوم حالة غير مسبوقة من التجمهر، بعد إعلان مركز “BLS” عن تخصيص عشرين موعداً يومياً مجانياً لإيداع ملفات التأشيرة دون حجز مسبق، ابتداءً من 8 فيفري. عشرات الشباب والعائلات افترشوا الأرصفة وباتوا في العراء أملاً في الحصول على فرصة عبور نحو الضفة الأخرى، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الطوابير التي عرفها الجزائريون في سنوات سابقة قبل الحراك الشعبي.
ولم يقتصر الأمر على العاصمة، إذ شهدت مدينة أليكانتي الإسبانية تجمعات كبيرة لجزائريين قصدوا القنصلية لاستلام جوازات سفرهم، بعد تداول خبر يتعلق بقرار رئيس الوزراء الإسباني بتسوية وضعية مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين. هذا التطور أعاد الأمل لآلاف الحالمين بالاستقرار في أوروبا، ودفع الكثيرين إلى التحرك بسرعة قبل تغيّر الظروف.
عودة هذه الطوابير تثير أسئلة عميقة حول أسباب استمرار نزيف الهجرة رغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “جزائر جديدة”. فالمشهد، وإن بدا مرتبطاً بفرص التأشيرة أو قرارات أوروبية ظرفية، يعكس في جوهره شعوراً متنامياً بانسداد الأفق لدى فئة واسعة من الشباب. كثيرون لا يغادرون بسبب الفقر وحده، بل بسبب أزمة ثقة في المستقبل، وغياب رؤية واضحة لمسار سياسي واقتصادي يضمن لهم الاستقرار.
سوق العمل بدوره لا يزال عاجزاً عن استيعاب آلاف الجامعيين، فيما يعاني القطاع الخاص من هشاشة تجعل الاستقرار المهني حلماً بعيد المنال. ومع تضخم قصص النجاح في الخارج عبر شبكات التواصل، تحولت الهجرة إلى “حلم جماعي” يراه البعض معياراً للنجاح، مهما كانت التضحيات.
كما أن القرارات الأوروبية، مثل تسوية أوضاع المهاجرين أو فتح مواعيد مجانية، تُحدث موجات من الاندفاع، إذ يشعر الكثيرون بأن الفرصة قد لا تتكرر. وفي المقابل، يواجه المواطن يومياً صعوبات في الخدمات والقدرة الشرائية والإدارة، ما يعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
ويشير متابعون إلى أن موجة الهجرة الحالية لا ترتبط فقط بالعوامل الاقتصادية، بل تتغذى أيضاً من مناخ اجتماعي وسياسي جزائري يصفه الكثيرون بأنه يزداد توتراً. فقد تحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن حالات توقيف طالت عدداً من النشطاء والمواطنين بسبب منشورات أو آراء على شبكات التواصل، وهو ما خلق شعوراً عاماً لدى فئة من الشباب بأن هامش التعبير يتقلص. هذا الانطباع، حتى وإن اختلفت القراءات حوله، ساهم في تعزيز رغبة الكثيرين في البحث عن فضاءات يعتبرونها أكثر حرية واستقراراً.
بالنسبة لهؤلاء، الهجرة ليست مجرد محاولة لتحسين الوضع الاقتصادي، بل خطوة للهروب من ضغط يومي يشعرون أنه يحدّ من طموحاتهم وقدرتهم على التعبير. ومع تزايد الحديث عن هذه الحالات، أصبح الشعور بالخوف من المتابعة أو التضييق عاملاً إضافياً يدفع البعض إلى التفكير في الرحيل، إلى جانب الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المعروفة.
بالنسبة لكثير من الشباب، الهجرة ليست هروباً من الوطن بقدر ما هي بحث عن كرامة وفرصة وأفق أوسع. الطوابير أمام القنصلية الإسبانية ليست مجرد حدث عابر، بل مؤشر اجتماعي وسياسي يستحق قراءة معمقة، لأنها تعكس علاقة المواطن بوطنه ومدى ثقته في المستقبل الذي يُرسم له.
نسرين ج



تعليقات