محاكمة الدكتورة نسيمة صويلح ... حرية التعبير بين الحق الدستوري وشبح التجريم

أثار الحكم الصادر في حق الأستاذة الدكتورة نسيمة صويلح، الباحثة في علوم الكيمياء بجامعة عنابة، موجة من التضامن والاستياء في الأوساط الحقوقية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد متابعتها قضائياً على خلفية منشورات فايسبوكية.
ووفق المعطيات المتداولة، جرى استدعاؤها من طرف مصالح الشرطة للاستماع إليها في محضر رسمي بشأن ما نشرته على حساباتها الرقمية، قبل أن تُحال أمام نيابة محكمة الحجار في إطار إجراءات المثول الفوري. وفي ختام المحاكمة، وبعد أن التمست النيابة عقوبة ثلاث سنوات حبساً نافذاً، أصدرت المحكمة حكماً يقضي بسنة حبس موقوفة النفاذ وغرامة مالية قدرها خمسون ألف دينار.
ورغم غياب تفاصيل رسمية دقيقة حول التهم الموجهة إليها ومضمون المنشورات التي كانت محل المتابعة، فإن القضية تندرج، بحسب العديد من المتابعين، ضمن سلسلة من القضايا التي مست خلال السنوات الأخيرة ناشطين وصحفيين وأساتذة جامعيين ومدونين عبرت منشوراتهم عن مواقف أو آراء مرتبطة بالشأن العام، أو تناولت ملفات حقوق الإنسان والاعتقالات والحريات العامة.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة النقاش المتجدد حول حدود حرية التعبير في الجزائر، والعلاقة بين السلطة والمجال الرقمي الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة المنبر الأكثر حضوراً للتعبير عن الآراء ونقل المواقف السياسية والحقوقية. فمع تضييق المساحات التقليدية للنقاش العام، وجد كثير من المواطنين في شبكات التواصل الاجتماعي فضاءً بديلاً للتعبير عن هواجسهم وانتقاداتهم ومواقفهم من القضايا الوطنية.
غير أن متابعة أصحاب الآراء والناشطين بسبب منشورات إلكترونية باتت تثير مخاوف متزايدة لدى المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يرون أن اللجوء المتكرر إلى القضاء في قضايا مرتبطة بالتعبير الرقمي قد يخلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية. فحين يصبح المواطن مهدداً بالاستدعاء أو الملاحقة القضائية بسبب رأي سياسي أو تعليق على قضية عامة، فإن النتيجة لا تقتصر على الشخص المعني، بل تمتد إلى المجتمع بأسره الذي يبدأ أفراده في ممارسة رقابة ذاتية على ما يقولون ويكتبون.
إن حرية التعبير لا تُقاس بمدى حماية الآراء المتوافقة مع الخطاب السائد، وإنما بمدى قدرة المجتمع على تحمل الآراء الناقدة والمخالفة. فالحق في التعبير عن الرأي، مهما كان حاداً أو معارضاً، يشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات. أما تحويل الرأي إلى ملف أمني أو قضائي، فإنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن النقد قد يكون مكلفاً، وأن التعبير عن الموقف الشخصي قد يقود صاحبه إلى أروقة المحاكم.
وتزداد حساسية هذه القضية بالنظر إلى مكانة المعنية، بوصفها أستاذة جامعية وباحثة أكاديمية. فالجامعة، في جوهرها، ليست مجرد مؤسسة للتدريس، بل فضاء لإنتاج المعرفة وتبادل الأفكار ومناقشة القضايا العامة بحرية ومسؤولية. وعندما يجد أكاديمي نفسه محل متابعة بسبب آرائه أو منشوراته، فإن ذلك يثير تساؤلات أعمق حول هامش الحرية المتاح للنخب العلمية والثقافية في المشاركة بالنقاش العمومي.
وبعيداً عن تفاصيل الملف القضائي الخاصة بالدكتورة فإن القضية تعكس إشكالية أوسع تتجاوز الأشخاص والأحكام الفردية، وتتعلق بمستقبل الحريات العامة وحرية التعبير في الجزائر. فالمجتمعات القوية لا تخشى الأصوات المختلفة، بل تستوعبها وتفسح لها المجال للنقاش. أما المجتمعات التي يُنظر فيها إلى الرأي النقدي باعتباره تهديداً، فإنها تخاطر بتحويل الاختلاف الفكري والسياسي إلى قضية أمنية، وتحويل حرية التعبير من حق دستوري إلى مخاطرة شخصية يدفع ثمنها أصحاب المواقف والآراء.
وفي ظل استمرار الجدل حول قضايا الرأي والحريات، يبقى المطلب الأساسي للمدافعين عن حقوق الإنسان هو ضمان ألا تتحول الكلمة إلى تهمة، وألا يصبح التعبير السلمي عن الرأي سبباً للملاحقة أو الإدانة، لأن المجتمعات الديمقراطية تُبنى بالحوار وتعدد الأصوات، لا بالخوف والصمت.
نسرين ج



تعليقات