"مشي" أعضاء الحكومة بين البرلمان ومجلس الأمة يثير موجة سخرية .. والانتقادات تطال الخطاب الإعلامي الموالي

في مشهدٍ أثار موجةً واسعة من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي، تحوّل منشورٌ لقناة "الحياة" الجزائرية يبرز تنقّل أعضاء من الحكومة مشيًا على الأقدام بين مقر المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة إلى مادة للتندّر أكثر منه مادةً للإشادة. فالصورة التي أراد الإعلام الموالي تقديمها باعتبارها دليلاً على بساطة المسؤولين وقربهم من المواطنين، استُقبلت على نحوٍ مختلف تمامًا من طرف كثير من المتابعين الذين رأوا فيها نموذجًا جديدًا للمبالغة الدعائية.

وجاء في المنشور: "شاهد... أعضاء الحكومة يتنقلون مشيًا على الأقدام من المجلس الشعبي الوطني إلى مجلس الأمة"، وهي عبارة بدت بالنسبة إلى كثيرين مثيرةً للاستغراب أكثر من كونها خبرًا يستحق المتابعة. فالمسافة بين المؤسستين تقع داخل نفس الحي الإداري، والتنقل سيرًا على الأقدام بينهما يُعد في الظروف العادية أمرًا طبيعيًا لا يستوجب التوقف عنده أو تحويله إلى حدث إعلامي.
وسرعان ما امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بتعليقات ساخرة تناولت طريقة تقديم الخبر أكثر من الحدث نفسه. واعتبر العديد من المعلقين أن المشكلة لا تكمن في مشي المسؤولين، بل في محاولة تصوير سلوك اعتيادي على أنه استثناء يستحق الاحتفاء. وذهب بعضهم إلى تشبيه الخطاب الإعلامي بمحاولات صناعة بطولات رمزية من تفاصيل يومية لا تحمل أي دلالة سياسية أو اجتماعية حقيقية.
وتداول رواد المنصات تعليقات تهكمية استحضرت عبارات من التراث الإسلامي والتاريخ السياسي، في إشارة إلى ما وصفوه بالمبالغة في رسم صورة مثالية للمسؤولين. إذ رأى منتقدون أن المواطن لا يبحث اليوم عن صور لمسؤولين وهم يعبرون الشارع أو يتنقلون بين المباني، بقدر ما ينتظر مؤشرات ملموسة على تحسن الأوضاع الاقتصادية والخدمات العمومية وفرص العمل والقدرة الشرائية.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش المتكرر حول طبيعة الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي في الجزائر، وحدود الدور الذي يفترض أن يلعبه في نقل الوقائع. فبينما يرى مؤيدو هذا النوع من التغطية أنه يسلّط الضوء على جوانب من الحياة اليومية للمسؤولين ويكسر الصورة النمطية عنهم، يعتبر منتقدوه أنه يعكس أزمةً أعمق تتمثل في غياب الإنجازات الكبيرة التي يمكن أن تشكل مادةً إعلامية ذات أثر حقيقي على الرأي العام.
وفي نظر الكثير من المعلقين، فإن بساطة المسؤول لا تُقاس بعدد الأمتار التي يقطعها سيرًا على الأقدام أو بعدد الكاميرات التي توثق ذلك، بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على حياة المواطنين. ولذلك لم تُقرأ الصورة بوصفها لقطةً عفوية، وإنما باعتبارها رمزًا للفجوة المتنامية بين الخطاب الترويجي الذي يسعى إلى صناعة مشاهد استثنائية من تفاصيل عادية، وبين تطلعات الرأي العام المنشغل بقضايا أكثر إلحاحًا وتأثيرًا في حياته اليومية.
وهكذا، بدل أن تحقق الصورة الهدف المرجو منها في إبراز تواضع المسؤولين، انتهت إلى إثارة موجة جديدة من السخرية، كشفت مرة أخرى أن الجمهور لم يعد يكتفي بالرموز والصور، بل بات أكثر ميلاً إلى تقييم المسؤولين من خلال النتائج والإنجازات الملموسة، لا من خلال الطريقة التي ينتقلون بها من مبنى إلى آخر.
حكيم ش



تعليقات