top of page

من قانون الجنسية إلى منع العودة لأرض الوطن : سلطة تبون تُقنّن الإقصاء وتساوم بالولاء

  • 12 يناير
  • 2 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 13 يناير


مقال رأي : لم يعد الجدل الدائر حول مشروع تعديل قانون الجنسية في الجزائر نقاشًا قانونيًا تقنيًا، بل بات حلقة جديدة في مسار واضح تتبعه سلطة الرئيس عبد المجيد تبون: تحويل الانتماء الوطني من حق دستوري ثابت إلى أداة ضغط وعقاب سياسي. من نزع الجنسية، إلى منع العودة، إلى التضييق على حرية التنقل، تتكامل السياسات لتؤسس لمنظومة إقصاء ممنهج ضد الخصوم والمعارضين، داخل البلاد وخارجها.


مشروع تعديل قانون الجنسية، الذي شرعه البرلمان محل الجدل مؤخراً، قُدم رسميًا على أنه إجراء “استثنائي” و”محصَّن بالضمانات”، لكن قراءة متأنية لمضمونه ولسياقه السياسي تكشف العكس تمامًا. فالنص يقوم على مفاهيم فضفاضة مثل “المساس بالمصالح العليا للدولة” و”نبذ الولاء”، وهي عبارات بلا تعريف قانوني دقيق، تفتح الباب واسعًا أمام التأويل الأمني والتوظيف السياسي.


السلطة، عبر نوابها ووزير عدلها، تكرر خطابًا واحدًا: الجنسية ليست امتيازًا بل التزام بالولاء. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة جوهرية: الدولة الدستورية لا تُقايض الحقوق الأساسية بالولاء السياسي، ولا تُعرّف الوطنية من زاوية الطاعة، بل من خلال احترام القانون، وضمان الحريات، والمساواة أمام القضاء.


الأخطر في المشروع ليس فقط إمكانية تجريد الجزائريين المقيمين في الخارج من جنسيتهم الأصلية، بل كونه يستهدف فئة محددة: المعارضين، المنتقدين، والصحفيين والناشطين الذين وجدوا في الخارج آخر فضاء للتعبير. وهو ما حذرت منه صراحة منظمة شعاع لحقوق الإنسان، التي ربطت المشروع بالسياق القضائي القائم على التوسع في استعمال النصوص الزجرية، وعلى رأسها المادة 87 مكرر، لتحويل الرأي إلى جريمة.


هذا التوجه التشريعي لا يمكن فصله عن ممارسات قائمة فعليًا، تؤكد أن السلطة لا تنتظر القانون لتطبيق الإقصاء. فقبل نزع الجنسية، هناك منع من العودة، وقبل التجريد، هناك التضييق والمنع من السفر دون أي سند قضائي.


منع السيدة نصيرة ديتور من دخول الجزائر مثال صارخ على ذلك. لا حكم قضائي، لا قرار معلن، ولا تبرير دستوري. مجرد قرار أمني يختزل الوطن في سلطة، والحدود في أداة انتقام. الأمر نفسه ينطبق على الصحفي الجزائري فريد عليلات، وعلى عشرات النشطاء والصحفيين والسياسيين الممنوعين من مغادرة التراب الوطني أو من العودة إليه، فقط بسبب مواقفهم السياسية.


في هذا السياق، يأتي قرار مجلس الوزراء الأخير المتعلق بـ”تسوية وضعية” بعض الجزائريين في الخارج، ليكشف منطق السلطة الحقيقي: المساومة. فمن جهة، خطاب عاطفي عن “الشباب المغرر بهم” و”الحرقة”، ومن جهة أخرى استثناءات فضفاضة تشمل كل من تعتبرهم السلطة “متعاونين” أو “مسيئين للوطن”. العودة هنا ليست حقًا، بل منحة مشروطة، خاضعة لتقدير سياسي وأمني.


التناقض صارخ: سلطة تدّعي حماية الشباب في الخارج، بينما تمنع معارضين سلميين من العودة، وتلوّح بتجريدهم من جنسيتهم. سلطة تتحدث عن دولة القانون، لكنها تمارس المنع والإقصاء بقرارات غير مكتوبة، خارج القضاء، وضد الدستور.


اللافت أن المدافعين عن مشروع القانون يتحدثون عن “ضمانات إجرائية” و”مرسوم رئاسي” و”إنذار مسبق”، وكأن المشكلة شكلية. بينما جوهر الإشكال سياسي بامتياز: هل يحق للدولة أن تسحب الانتماء بدل أن تحاكم الأفعال؟ وهل تُواجه المعارضة بالقضاء المستقل أم بسحب الجنسية وقطع الصلة القانونية بين المواطن ووطنه؟


كما نبّه النائب السابق يوسف خبابة، المصلحة العليا للبلاد لا تتحقق بتجريد الدولة من ولايتها على مواطنيها، بل بملاحقتهم – إن وُجد جرم – وفق القانون الدولي والمحاكمة العادلة. أما تحويل الجنسية إلى سلاح، فهو اعتراف ضمني بالعجز عن الإقناع، وبفشل السياسة، وبهيمنة المقاربة الأمنية.


في المحصلة، ما يجري ليس “تحصينًا للسيادة”، بل تفريغًا لها من معناها. فالدولة القوية لا تخشى مواطنيها، ولا تُعاقب الرأي، ولا تساوم بالانتماء. أما سلطة تبون، فتواصل – عبر التشريع والممارسة – سياسة التفرقة والإقصاء، واضعة الجزائر على مسار خطير: دولة تُعرّف الوطنية بالعقوبة، وتختزل الوطن في الولاء للسلطة.


نسيم ع

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page