وهران في قائمة “52 وجهة يجب زيارتها في 2026” : إنجاز مهم… لكن ليس كما روّجت له القناة الجزائرية الرسمية
- cfda47
- قبل 17 ساعة
- 3 دقيقة قراءة

أثار إعلان صحيفة The New York Times الأمريكية إدراج مدينة وهران ضمن قائمتها السنوية “52 Places to Go in 2026” اهتمامًا واسعًا في الجزائر وخارجها، باعتبار أن القائمة تُعدّ واحدة من أبرز التوصيات السياحية في العالم. غير أن التغطية الإعلامية للخبر شابها بعض الخلط، خصوصًا بعد أن قدّمت القناة الجزائرية الرسمية التصنيف على أنه ترتيب عالمي لعدد السياح، وهو ما يتعارض تمامًا مع طبيعة القائمة ومعاييرها. القيمة الحقيقية لخبر إدراج وهران ليست في “المرتبة السابعة عالميًا”، بل في اعتراف صحيفة عالمية بثراء المدينة وتحوّلاتها الثقافية.
فبدل أن يُقدَّم الاختيار كما هو: توصية سياحية تحريرية تصدر عن واحدة من أهم الصحف في العالم، اختارت القناة الرسمية تحويله إلى “ترتيب عالمي لعدد السياح”، وكأن القيمة لا تُكتسب إلا حين تُقاس بالأرقام، ولو كانت مختلقة. هذا الانزلاق ليس مجرد خطأ في الصياغة، بل هو تشويه للخبر واعتداء على أبسط قواعد العمل الصحفي: الدقة، التحقق، واحترام طبيعة المصادر.
قائمة تحريرية… وليست إحصاءً لعدد الزوار
إنّ الخلط بين قائمة توصيات وبين تصنيف إحصائي ليس بريئًا. هو جزء من منطق احتفالي يفضّل صناعة “إنجازات” وهمية على مواجهة الواقع كما هو. منطق يفضّل التهويل على التحليل، والتهليل على الفهم. والنتيجة: جمهور يُغذّى بمعلومات غير صحيحة، ومؤسسات إعلامية تفقد ما تبقّى من رصيدها المهني.
قائمة 52 Places to Go التي تنشرها The New York Times كل عام ليست مؤشرًا لعدد السياح، ولا ترتبط بأي بيانات إحصائية صادرة عن منظمات دولية مثل منظمة السياحة العالمية. إنها ببساطة قائمة تحريرية تُعدّها الصحيفة بناءً على معايير ثقافية، بيئية، سياحية، وفنية، وتضم وجهات ترى هيئة التحرير أنها تستحق الزيارة خلال العام.
وبالتالي، فإن وضع وهران في المرتبة السابعة يعني أنها جاءت سابع وجهة مقترحة للزيارة ضمن 52 وجهة، وليس أنها سابع مدينة في العالم من حيث عدد السياح كما ورد في التغطية الرسمية.
إنجاز حقيقي… لكن يجب تقديمه كما هو
في تغطيتها للخبر، قدّمت القناة الجزائرية الرسمية التصنيف على أنه “ترتيب عالمي لعدد السياح”، وهو ما خلق انطباعًا مضللًا لدى الجمهور. هذا الخلط بين قائمة اقتراحية وتصنيف إحصائي يُعدّ خطأً مهنيًا، لأنه يغيّر معنى الخبر ويمنح إنجازًا مهمًا حجمًا غير واقعي. و رغم الخطأ في التغطية، يبقى إدراج وهران في قائمة The New York Times إنجازًا مهمًا لمدينة ذات تاريخ عريق وحيوية ثقافية متجددة. فقد أشادت الصحيفة الأمريكية بـ:
• طابع المدينة المتوسطي النابض بالحياة
• تراثها المعماري الممتد من العهد العثماني إلى الحقبة الكولونيالية
• مشهدها الفني والموسيقي المتطور
• ديناميكية شبابها وروحها الحديثة
هذه العناصر جعلت وهران تتقدم على عشرات الوجهات العالمية الأخرى، وهو اعتراف دولي يستحق الاحتفاء، لكن دون مبالغة أو تحريف. القيمة الحقيقية تستحق أن تُروى كما هي: بتاريخها، بطاقتها الثقافية، بقدرتها على الإلهام. لكن تحويل الاعتراف الدولي إلى مادة دعائية يفرغ الحدث من معناه، ويحوّل فرصة ثمينة إلى دليل إضافي على أزمة الإعلام المحلي.
أهمية الدقة في الإعلام
تصحيح المعلومة لا يقل أهمية عن نقلها. فالإعلام مسؤول عن تقديم الخبر كما هو، دون تضخيم أو تقزيم. وفي حالة وهران، كان يمكن للقناة الرسمية أن تبرز الإنجاز الحقيقي وهو بحد ذاته مكسب كبير للسياحة الجزائرية.
وهران لم تصبح “سابع مدينة في العالم من حيث عدد السياح”، لكنها أصبحت سابع وجهة ينصح بزيارتها في واحدة من أهم القوائم السياحية العالمية. والفرق بين العبارتين ليس لغويًا فقط، بل جوهريًا، ويحدد مستوى المصداقية في التغطية الإعلامية.
في النهاية، ليست المشكلة في تصنيف وهران، بل في الطريقة التي نروي بها قصصنا. حين يصبح الخبر مادة للتضخيم بدل أن يكون مادة للفهم، نخسر جميعًا: نخسر الحقيقة، ونخسر الثقة، ونخسر القدرة على بناء سردية وطنية ناضجة. وإذا كان إدراج وهران مناسبة للاحتفاء، فهو أيضًا مناسبة لطرح سؤال أكثر إلحاحًا: متى نعيد الاعتبار للصحافة بوصفها مهنة، لا أداة بروباغندا ؟
حاج إبراهيم



تعليقات