ساسي عابدي … المهندس الذي شيّد ذاكرة، والباحث الذي أعاد للأوراس صوته
- قبل يومين
- 2 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل ساعة واحدة

فقدت الساحة الثقافية في الجزائر، وفي منطقة الأوراس خصوصًا، واحدًا من أبرز وجوهها الفكرية والبحثية برحيل الأستاذ ساسي عابدي؛ الرجل الذي تحوّل خلال سنوات نشاطه إلى مرجع حيّ في تاريخ الأمازيغ، وإلى أحد أكثر الأصوات دفاعًا عن الهوية الشاوية وتراث الأوراس.
لم يكن عابدي مجرد باحث أو مثقف، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يمشي على قدمين، جمع بين تكوينه الهندسي وولعه العميق بالتاريخ، ليصنع لنفسه مكانة فريدة في المشهد الفكري الجزائري.
من الهندسة إلى التاريخ… مسار غير تقليدي
وُلد ساسي عابدي في منطقة الأوراس، وهناك تشكّلت أولى ملامح ارتباطه بالأرض والذاكرة. درس الهندسة واشتغل في مجالات العمران والري، لكنه لم يكتفِ بمسار مهني تقني، بل حمل معه شغفه بالبحث التاريخي، فجمع بين الدقة العلمية وروح المؤرخ. وقد أشارت تقارير صحفية إلى هذا الجمع الفريد بين العمران والري والتاريخ في مسيرته المهنية والفكرية في بلادنا.
هذا التكوين المزدوج مكّنه من قراءة التراث قراءة علمية، ومن تقديم مقاربات جديدة في فهم الحضارة النوميدية وتاريخ الأوراس.
“أمزروي نغ”… مشروع لإحياء الذاكرة
يُعدّ برنامج “أمزروي نغ” (تاريخنا)، الذي أنتجه موقع إينوميدن، أحد أهم الأعمال التي ارتبطت باسم ساسي عابدي. البرنامج جاء لسدّ فراغ كبير في المحتوى التاريخي المتخصص، وقدّم سلسلة حلقات معمّقة حول تاريخ شمال إفريقيا القديم والوسيط، مع تركيز خاص على الأوراس والحضارة النوميدية .
من خلال هذا المشروع، تحوّل عابدي إلى صوت معرفي موثوق، يقدّم المعلومة بلغة بسيطة ودقيقة في آن واحد، ويعيد الاعتبار لصفحات منسية من تاريخ المنطقة.
دفاع شرس عن الهوية الأمازيغية
كان ساسي عابدي من أبرز المدافعين عن الهوية الأمازيغية لشمال إفريقيا، وخاصة اللسان الشاوي. لم يكن دفاعه خطابًا عاطفيًا، بل قائمًا على البحث والتوثيق، وعلى تفكيك الروايات المغلوطة التي طالت رموزًا تاريخية مثل الملكة ديهيا (ذايا).
كما اشتغل على جذور المسرح الأمازيغي القديم، ودرس طقوسًا شعبية مثل “شايب عاشوراء”، محاولًا ربطها بجذورها التاريخية العميقة.
باحث محبوب ومرجع للأجيال : إينوميدن… منصة نضال ثقافي
ساهم عابدي في تأسيس وإثراء منصة "إينوميدن"، التي أصبحت لاحقًا أهم بوابة ثقافية شاوية على الإنترنت. من خلالها، قدّم مقالات، دراسات، وبرامج مرئية، وجعل منها فضاءً للدفاع عن الذاكرة الجماعية، ولتعليم الشباب تاريخهم الحقيقي بعيدًا عن التشويه والإقصاء.
لم يكن ساسي عابدي باحثًا منعزلًا، بل كان قريبًا من الناس، حاضرًا في النقاشات، محاضرًا في الجامعات، ومتفاعلًا مع الشباب عبر المنصات الرقمية. تحوّل إلى مرجع حيّ لكل من يبحث عن تاريخ الأوراس، وإلى مصدر إلهام لجيل كامل من المهتمين بالهوية الأمازيغية.
ساسي عابدي …. إرث لا يموت
برحيل ساسي عابدي، فقدت الجزائر أحد أهم حراس ذاكرتها. لكن الأعمال التي تركها، من دراسات وبرامج ومقالات، ستظلّ شاهدة على مشروعه الفكري، وستبقى منارة لكل من يسعى لفهم تاريخ شمال إفريقيا من منظور أصيل وموثّق.
لقد رحل الرجل، لكن البذور التي زرعها أينعت، والوعي الذي بناه في عقول الشباب سيستمر في النمو، والراية التي حملها لن تسقط.
ساسي عابدي لم يكن مجرد باحث، بل كان حالة ثقافية، وواحدًا من أبرز الأصوات التي أعادت الاعتبار للهوية الأمازيغية في الأوراس. مسيرته مثال على كيف يمكن لشخص واحد أن يصنع فرقًا كبيرًا، وأن يترك أثرًا يتجاوز حياته.
حكيم ش