إنطلاق الحملة الإنتخابية للتشريعيات في الجزائر: القدرة الشرائية تتصدر البرامج وتمويل الحملات يُربك المترشحين
- 10 يونيو
- 2 دقيقة قراءة

مع إطلاق شارة انطلاق الحملة الانتخابية للتشريعيات في التاسع من جوان 2026، تتكشف مفارقة لافتة: الأحزاب الجزائرية الكبرى تضع القدرة الشرائية في صدارة برامجها الانتخابية، في حين يعجز كثير من مترشحيها عن تمويل حملاتهم الميدانية دون الاستنزاف من مواردهم الخاصة. وهي مفارقة تعكس، في عمقها، أزمة بنيوية تطال العلاقة بين المواطن والمنظومة السياسية في بلد يرزح قطاع واسع من سكانه تحت ضغط تآكل متواصل في القيمة الحقيقية للأجور.
البرامج المُعلنة لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الوطني ، تتقاطع حول ثلاثة محاور اقتصادية واجتماعية: رفع القدرة الشرائية، ودعم الفئات الهشة، وخلق مناصب الشغل. وعلى الورق، تتضمن هذه البرامج وعوداً بتبسيط الإجراءات الإدارية أمام المستثمرين ومرافقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تشجيع الاقتصاد الرقمي ودعم المشاريع المنتجة. غير أن الأحزاب ذاتها أصدرت تعليمات داخلية لمترشحيها بـ"الابتعاد عن الوعود غير القابلة للتجسيد"، وهو اعتراف ضمني بأن فجوة الثقة بين الخطاب الانتخابي والواقع المعاش باتت عاملاً لا يمكن تجاهله في الحسابات الانتخابية.
على صعيد الملفات الاجتماعية، تتصدر قائمة الأولويات المُعلنة ملفاتُ الصحة والتشغيل والتعليم، مع تركيز خاص على المناطق النائية وذوي الهمم والأسر محدودة الدخل. كما تضمنت البرامج تعهدات بإطلاق آليات تمويل موجهة لمشاريع الشباب وتسهيل الوصول إلى القروض، في إشارة إلى أن البطالة في صفوف الشريحة الشبابية لا تزال تُشكّل ضغطاً اجتماعياً يصعب تجاوزه انتخابياً. وفي الملف الفلاحي، تضمنت البرامج التزامات بمرافقة الفلاحين وتسهيل الحصول على الدعم والعقار، بوصفها رافداً لتحقيق الأمن الغذائي وكبح التضخم في أسعار المواد الأساسية.
لكن الملف الأكثر كشفاً للهشاشة البنيوية يبقى تمويل الحملة الانتخابية ذاتها. إذ كشفت مصادر متعددة أن عدداً معتبراً من المترشحين يلجأون إلى جيوبهم الخاصة لتغطية نفقات التنقل واللقاءات الجوارية والتجمعات الشعبية، وهو توجه كرّسته الأحزاب السياسية صراحةً في تعليماتها الداخلية. وفي هذا الإطار، أصدرت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بياناً يُلزم قوائم المترشحين بتعيين أمين مالي وفتح حساب بنكي مخصص للحملة، وفق ما تنص عليه المادتان 97 و99 من قانون الانتخابات المعدل، والمرسوم الرئاسي رقم 26-145 المؤرخ في 4 أبريل 2026. ويتعين على الأمين المالي إرسال المعلومات البنكية إلى لجنة مراقبة تمويل الحملة عبر المنسقين الولائيين أو ممثليات السلطة بالخارج.
من منظور حقوقي، يطرح هذا المشهد تساؤلات جوهرية حول مبدأ تكافؤ الفرص الانتخابية: حين يتحمل المترشح بمفرده عبء تمويل حملته، فإن ذلك يُرجّح كفة من يملك موارد مالية على حساب من يملك مشروعاً سياسياً، مما يُفرّغ التمثيل الشعبي جزئياً من مضمونه ويُكرّس تهميشاً ضمنياً للكفاءات غير الميسورة. وفي غياب تمويل عمومي شفاف وكافٍ يضمن الحد الأدنى من المساواة بين المتنافسين، تبقى إشكالية القدرة الشرائية ليست فقط موضوع برامج، بل واقعاً يعيشه المترشحون قبل أن يعيشه الناخبون.
حكيم ش



تعليقات