البروفيسور في علم الإجتماع الهُواري عدي ينتقد رواية "الهُوارية" المثيرة للجدل
- 30 يونيو
- 2 دقيقة قراءة

أثارت رواية « الهوارية » للكاتبة إنعام بيوض، الصادرة حديثاً عن دار برزخ في نسختها الفرنسية، موجة جديدة من النقاش حول حدود التعبير الأدبي في الجزائر، وذلك بعد أن كانت قد تُوجت سنة 2024 بجائزة آسيا جبار، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مادة جدل ثقافي وإعلامي واسع.
البروفيسور في علم الإجتماع، وابن مدينة وهران، الهواري عدي قرأ هذا العمل في سياق يتجاوز قيمته الأدبية المحضة، ليضعه داخل صراع أوسع حول تمثلات المجتمع، وحدود الجرأة في الكتابة، وعلاقة الأدب بما يُسمّى “النظام الأخلاقي”. فالرواية، التي تعرضت لحملة انتقادات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، وصلت أيضاً إلى قبة البرلمان، حيث اعتبر بعض النواب، خصوصاً من منطقة وهران، أن النص قدّم المدينة بصورة “منحرفة أخلاقياً”، ما دفعهم إلى المطالبة بردّ رسمي من الحكومة.
هذه الحملة التصعيدية لم تبقَ في حدود النقاش الرمزي، بل ساهمت في إغلاق دار نشر محلية بعد ضغط كبير، وهو ما يفتح سؤالاً مباشراً حول العلاقة بين السلطة الرمزية للأخلاق والحرية الأدبية، وحول قدرة المؤسسات الثقافية على الصمود أمام ضغط الرأي العام المُسيّس.
غير أن النقاد الداعمين للرواية يرون أن الإشكال لا يتعلق فقط بالمحتوى، بل بحدود التلقي نفسه. فالاتهامات الموجهة للكاتبة، خاصة المتعلقة باستعمال لغة وُصفت بـ“الفجة” أو “الجنسانية”، تكشف توتراً قديماً بين اللغة الأدبية واللغة المعيارية، وبين ما يُكتب بالعربية وما يُتسامح معه في سياقات أخرى. وتطرح هذه النقطة سؤالاً مركزياً: هل يختلف المتلقي العربي عن المتلقي الفرنكوفوني في درجة الحساسية الأخلاقية، أم أن الأمر مرتبط بالسياق الاجتماعي والسياسي أكثر من اللغة؟
من زاوية أدبية، لا يمكن إنكار أن «الهوارية» تقدم بناءً سردياً غير خطي، يعتمد على تداخل الأزمنة وتعدد الشخصيات، ما يفرض على القارئ جهداً لمتابعة خيوط الحكاية. كما أن لغة الكاتبة تتسم بالبساطة والابتعاد عن الزخرفة البلاغية، ما يجعل السرد أقرب إلى تسجيل مباشر للواقع الاجتماعي كما يُعاش داخل فضاءات شعبية مثل حي “إكسميل” في وهران.
الشخصية المركزية “هوارية” تُبنى من خلال ذاكرة متكسرة، تبدأ من لحظة استيقاظها في المستشفى، لتعود عبر الاسترجاع إلى طفولة مضطربة داخل أسرة فقيرة، وعلاقات اجتماعية مشحونة بالعنف والتهميش. هذا البناء يجعل الشخصية محورية لكنها في الوقت نفسه محاطة بشبكة من شخصيات ثانوية لا تمتلك عمقاً اجتماعياً كافياً، ما قد يخلق صعوبة في التماسك السردي عند القارئ غير المتابع بدقة.
الرواية تقدم أيضاً مشهداً اجتماعياً قاسياً: فقر، علاقات سلطوية داخل الأسرة، هشاشة النساء، وعنف رمزي ومادي يطبع الحياة اليومية. علاقة هوارية بحبيبها “هشام” تنتهي بشكل مأساوي بعد مقتله في هجوم إرهابي، ما يدفعها لاحقاً إلى حياة من الانكسار النفسي والتشظي، وصولاً إلى تحولها إلى شخصية هامشية تستثمر خرافياً في عالم “الروحانيات” والشعوذة داخل محيط الزوايا الدينية.
في المحصلة، يثير نص «الهوارية» سؤالاً جوهرياً أكثر مما يقدم إجابة: هل الأدب وظيفة جمالية فقط، أم أنه أيضاً مساحة لكشف العنف الاجتماعي حتى لو كان ذلك على حساب الحساسية الأخلاقية السائدة؟ الجدل الذي رافق الرواية لا يبدو منفصلاً عن هذا التوتر، بل هو امتداده الطبيعي داخل فضاء عام لم يحسم بعد موقفه من حدود الحرية في التعبير الأدبي
حاج ابراهيم



تعليقات