top of page

عبد الله… المتفوّق الذي خرج من تحت الخيمة ليكشف عيوب العدالة الاجتماعية

  • قبل يومين
  • 2 دقيقة قراءة

لم يكن نجاح عبد الله عبداللّي، الشاب القادم من سهوب ولاية البيض، مجرد خبر عابر في موسم نتائج البكالوريا. لقد تحوّل إلى قضية رأي عام، لأن قصته تكشف التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية وبين واقع آلاف العائلات التي ما تزال تعيش تحت الخيم في بلد يصف نفسه بأنه غني بالثروات. عبد الله، الذي اجتهد في ظروف قاسية بلا سكن لائق ولا خدمات أساسية، حقق معدلًا استثنائيًا بلغ 18.70 في شعبة العلوم التجريبية، ليصبح رمزًا لطبقة مهمّشة استطاعت رغم كل شيء أن تنتزع مكانًا في سلم التفوق.


ردود الفعل التي اجتاحت مواقع التواصل لم تكن احتفالية بقدر ما كانت احتجاجية. كثيرون رأوا أن تكريم بعض المتفوقين بمنح عمرة، رغم قيمتها الروحية، يبقى خطوة رمزية لا تغيّر شيئًا من واقعهم الاجتماعي. فالشاب الذي يعود من العمرة سيجد نفسه مجددًا تحت الخيمة نفسها، في مواجهة الظروف نفسها، بينما كان بالإمكان أن يكون التكريم فعلًا بنيويًا يغيّر حياة عائلة كاملة عبر توفير سكن لائق يضمن الاستقرار ويمنح الطالب فرصة لمواصلة مساره العلمي في بيئة إنسانية.


هذا النقاش ليس محصورًا في الجزائر وحدها. تجارب دول أخرى تُظهر أن التكريم الحقيقي للمتفوقين القادمين من الهشاشة لا يكون بالرموز، بل بضمان الحقوق الأساسية. في المغرب، يحصل الطلبة المتفوقون من المناطق الفقيرة على سكن جامعي مجاني، وتستفيد أسرهم من برامج دعم مباشر مثل “تيسير” التي تهدف إلى تقليص الفوارق التعليمية. في تونس، تتكفل الدولة بالمنح الكاملة للمتفوقين من المناطق الريفية، وتشمل السكن والإطعام، وقد نُقلت عائلات في حالات خاصة إلى مساكن لائقة عندما كانت ظروفها غير إنسانية. أما في موريتانيا، فهناك برامج تمنح الطلبة القادمين من البدو منحًا كاملة وسكنًا جامعيًا، مع حالات موثقة لإعادة إسكان عائلاتهم في تجمعات حضرية جديدة.


تركيا تعتمد سياسة أوضح: المتفوقون من الأسر الفقيرة يحصلون على منح كاملة تشمل السكن والنقل والراتب الشهري، وتمنح بعض البلديات شققًا اجتماعية لعائلات الطلبة الذين يعيشون في ظروف قاسية. وفي كوريا الجنوبية، حيث يُعتبر التعليم ركيزة أساسية للتنمية، يحصل الطلبة المتفوقون من الطبقات الهشة على دعم حكومي يشمل السكن المدعّم للعائلة لضمان بيئة تعليمية مستقرة. أما البرازيل، عبر برامج مثل Bolsa Família و ProUni، فتربط بين التفوق الدراسي والدعم الاجتماعي، إذ يحصل الطلبة المتفوقون من الأحياء الفقيرة على منح وسكن، وفي بعض الحالات على إعادة إسكان لعائلاتهم.


هذه الأمثلة تُظهر أن تكريم المتفوقين ليس مجرد احتفال، بل سياسة عامة تعكس رؤية الدولة لدورها الاجتماعي. فحين يُترك شاب يعيش تحت خيمة ليواجه مصيره بعد نجاح استثنائي، يصبح التكريم الرمزي محاولة لتجميل واقع لا يتغير. أما حين يُمنح السكن والدعم الاجتماعي، فإن الدولة تعترف بأن التفوق ليس بطولة فردية، بل نتيجة لحق يجب أن يكون مكفولًا للجميع: الحق في العيش الكريم.


قضية عبد الله عبداللّي أعادت طرح سؤال جوهري: هل التكريم مجرد لفتة إعلامية، أم اعتراف بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من توفير شروط الحياة الأساسية؟ في بلد يملك إمكانيات كبيرة، يصبح استمرار السكن غير اللائق ليس فقط مشكلة اجتماعية، بل مؤشرًا سياسيًا على غياب رؤية تنموية عادلة. نجاح عبد الله ليس قصة ملهمة فحسب، بل مرآة تعكس واقعًا يحتاج إلى إصلاح جذري، حتى لا يبقى التفوق مجرد حدث استثنائي يولد من رحم المعاناة، بل نتيجة طبيعية لسياسات تضمن تكافؤ الفرص.


حكيم ش





 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page