top of page

تجميد الجمعية الوطنية لحماية المستهلك والبيئة : أزمتا “البطيخ” و“بلاط” تكشفان حدود الكلام باسم المستهلك

  • قبل يومين
  • 3 دقيقة قراءة

المنظمة الوطنية لحماية المستهلك لم تكن مجرّد جمعية تقنية تُعنى بنصائح الاستهلاك، بل تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى فاعل عمومي له حضور إعلامي لافت، يملأ فراغاً تركته مؤسسات الدولة في ملفات القدرة الشرائية، المضاربة، وجودة المواد الغذائية ومواد البناء. هذا الصعود السريع جعلها في موقع حساس: بين ثقة جزء من الرأي العام الذي وجد فيها صوتاً مباشراً، وبين سلطة تريد أن تبقى وحدها صاحبة الرواية الرسمية في كل ما يخص السوق والصحة والاقتصاد. ومع كل أزمة غذائية أو تقنية، كانت المنظمة تتقدم إلى الواجهة، فتتوسع في اختصاصاتها، وتدخل في ملفات لا تملك أدواتها القانونية الكاملة، إلى أن وصلت إلى لحظة الانفجار: قضية “البطيخ”، التي تحولت من إشاعة على شبكات التواصل إلى أزمة وطنية دفعت الدولة إلى التدخل بحدة، ووضعت APOCE في قلب صدام سياسي وإعلامي لم تستطع الخروج منه دون خسائر.


منذ تأسيسها، بنت المنظمة شرعيتها على خطاب قريب من المواطن، وعلى حضور إعلامي مكثف جعلها مرجعاً في كل نقاش حول الأسعار أو جودة المنتجات. لكن هذا الحضور نفسه حمل بذور الأزمة. فمع الوقت، لم تعد المنظمة تكتفي بدورها التقليدي، بل بدأت تُصدر أحكاماً تقنية حول مواد البناء، السيارات، التحاليل المخبرية، دون أن تكون مؤسسة مخبرية أو هيئة ضبط رسمية. هذا التوسع كان يُنظر إليه من طرف جزء من الإعلام كجرأة ضرورية في ظل غياب مؤسسات فعّالة، لكنه كان يُقرأ من طرف السلطة كخروج عن الاختصاص، وكخلق سردية موازية للسردية الرسمية في ملفات حساسة. وعندما انفجرت قضية “البطيخ”، بدا أن الدولة تعتبر أن المنظمة تجاوزت الخط الأحمر: التأثير المباشر على السوق، وعلى الثقة في المنتجات الوطنية، وعلى رواية الدولة حول الصحة الغذائية.


في هذا السياق، جاء موقف رئيس المنظمة ليضيف طبقة سياسية جديدة إلى المشهد. فإعلانه تأييد قرار وزارة الداخلية بتجميد نشاط الجمعية لم يكن مجرد موقف إداري، بل كان إعادة تموضع واضحة داخل منظومة “الجزائر الجديدة”. هذا التأييد يمكن قراءته كخيار براغماتي يهدف إلى تقليل الخسائر التنظيمية، وتفادي مواجهة مباشرة مع سلطة تمتلك أدوات قانونية واسعة عبر قانون الجمعيات، خصوصاً المادة 40 التي تسمح بالتجميد أو الحل. لكنه أيضاً رسالة سياسية: قبولٌ بالحدود التي ترسمها الدولة لعمل المجتمع المدني، واعترافٌ بأن الجمعية لا تريد أن تُفهم كفاعل معارض أو كصاحب سردية تقنية منافسة. وبقدر ما كان هذا الموقف محاولة لحماية الجمعية من الحل النهائي، كان أيضاً إعلاناً بأن المنظمة مستعدة للعودة إلى “حجمها القانوني”، وأنها لن تنازع الدولة في إنتاج الحقيقة التقنية أو في إدارة النقاش العام حول السوق والصحة.


الإعلام الجزائري لعب دوراً مركزياً في تشكيل صورة المنظمة وفي تأطير هذا الصدام. جزء منه ضخّم حضور APOCE، واستضاف رئيسها في كل أزمة، وقدمها كفاعل قادر على قول ما لا تقوله الدولة. وجزء آخر، خصوصاً القريب من السلطة، انقلب عليها عند أول اصطدام، وبدأ في تصويرها كجمعية متجاوزة، تبحث عن الإثارة، وتفتقر للخبرة. هذا التأطير الإعلامي لم يكن بريئاً، بل كان جزءاً من علاقة معقدة بين الإعلام والسلطة، حيث يُسمح ببعض الضجيج ما دام لا يمسّ الخطاب الرسمي، ثم يُعاد ضبطه عند الحاجة. الصحافة التي انتقدت المنظمة بعد قضية “البطيخ” لم تطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يجد المواطن نفسه مضطراً للجوء إلى جمعية غير حكومية للحصول على معلومات حول جودة المنتجات؟ ولماذا تغيب المؤسسات الرسمية عن المشهد إلا عند لحظة التأديب؟


في “الجزائر الجديدة”، يُعاد تشكيل المجتمع المدني وفق منطق مزدوج: تشجيع الجمعيات التي تشتغل في إطار “مرافقة السياسات العمومية”، وتشديد الرقابة على الجمعيات التي تملك حضوراً إعلامياً أو قدرة على التأثير في الرأي العام. قانون الجمعيات، الذي يمنح وزارة الداخلية صلاحيات واسعة في التجميد والحل، أصبح أداة مركزية في هذا الضبط. وبدل أن يكون الإصلاح فرصة لتوسيع فضاء العمل المدني، أصبح فرصة لإعادة ترتيب هذا الفضاء على المقاس. APOCE لم تكن الضحية الوحيدة، لكنها كانت المثال الأكثر وضوحاً: جمعية صعدت بسرعة، ملأت فراغاً مؤسساتياً، ثم اصطدمت بجدار سياسي وإعلامي عندما تجاوزت الحدود التي رسمتها السلطة.


القضية في جوهرها ليست قضية “بطيخ”، ولا قضية “بلاط”، ولا قضية تصريحات تقنية. هي قضية من يملك الحق في الكلام باسم المستهلك، ومن يملك سلطة إنتاج الحقيقة في السوق، ومن يملك القدرة على التأثير في الرأي العام. الدولة تريد أن تبقى وحدها في هذا الموقع، والإعلام الرسمي يساند هذا التوجه، والجمعيات التي تحاول لعب دور أكبر من حجمها تُعاد إلى مكانها عبر القانون والإعلام معاً. في هذا السياق، يصبح تجميد APOCE، وتأييد رئيسها للقرار، جزءاً من سياسة أوسع: سياسة ضبط المجتمع المدني، وضبط السرديات، وضبط الفاعلين الذين يملكون قدرة على خلق نقاش عام خارج القنوات الرسمية. إنها لحظة تكشف حدود “الجزائر الجديدة”: خطاب إصلاح واسع، وممارسة تضييق دقيقة، وفضاء مدني يُعاد تشكيله بحيث يبقى موجوداً، لكن بلا قدرة حقيقية على التأثير المستقل.



نسرين ج







 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page