الجزائر تريد بوشوارب وبجاوي وفرنسا تريد الصحفي غليز وزعماء "مافيا دي زاد"
- قبل 17 ساعة
- 2 دقيقة قراءة

جلس وزيرا عدل الجزائر وفرنسا، اليوم الاثنين حول طاولة واحدة في الجزائر العاصمة، لكن قراءة البيانين الصادرَين عن الاجتماع بعين فاحصة تكشف أن كل طرف جاء حاملاً أجندة مختلفة، وأن ما يُقدَّم للرأي العام باعتباره "استئناف التعاون القضائي" هو في جوهره مفاوضة شاقة بين عدالتين، تمتحنان الاستقلالية، وتُثقلهما اعتبارات سياسية لا تختفي بمجرد التصريح.
البيان الجزائري الصادر عن وزارة العدل، الذي وثّقته الصفحة الرسمية للوزارة، جاء في صياغة دبلوماسية حذرة تحدّثت عن "استعراض واقع التعاون الثنائي في المجالين القانوني والقضائي ودراسة سبل تعزيزهما"، مع الإشارة إلى جلسة عمل مسائية بحضور القضاة من الجانبين "للتباحث حول الملفات الثنائية ذات العلاقة بالتعاون القضائي". في المقابل، كان دارمانان أكثر صراحةً في تغريدته على منصة إكس، إذ أفصح عن تناول ملف "مافيا دي زاد" والأموال المنهوبة وقضية كريستوف غليز بالاسم.
التناقض بين الصياغتين ليس هفوةً بروتوكولية؛ إنه خريطة الخلاف نفسها. وفق تقارير موثوقة، فإن الجانب الجزائري لن يُقدّم تعاوناً مجانياً، إذ تشترط الجزائر "مقايضة قضائية" مقابل تحريك ملفات مافيا دي زاد الموجودة على أراضيها. وفي مقدمة ما تطالب به الجزائر: تسليم وزير الصناعة الأسبق عبدالسلام بوشوارب، المحكوم في الجزائر خمس مرات بعشرين سنة سجناً في قضايا فساد، والذي رفضت محكمة استئناف إكس أون بروفانس بفرنسا تسليمه رغم ست طلبات جزائرية رسمية. ويُضاف إلى القائمة القاضي الدولي السابق محمد بجاوي، الصادر بحقه أيضاً مذكرة توقيف جزائرية، إضافة إلى رجل الأعمال المطلوب هو الأخر لدى الجزائر، أيوب عيسيو. وتُشكّل هذه الملفات الورقةَ الجزائرية الرئيسية في المفاوضة.
في الاتجاه المعاكس، قدّمت العدالة الفرنسية "نحو عشر طلبات" للمساعدة القضائية تستهدف قيادات مافيا دي زاد المقيمة على الأراضي الجزائرية، وهي شبكات إجرامية مرتبطة بمرسيليا تتمدد بشبكات غسيل أموال تمتد من الإمارات إلى الجزائر، كما كشفته عملية "أوكتوبس" في 2026. وتُضيف فرنسا إلى أولوياتها قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم بسبع سنوات بتهمة "تمجيد الإرهاب"، والذي تخلّى عن طعنه أمام المحكمة العليا في 5 ماي الماضي، مما يفتح الباب أمام عفو رئاسي محتمل.
وهنا بالضبط تظهر المفارقة الجوهرية في البيانين، فالبلدان مرتبطان باتفاقية مساعدة قضائية مشتركة موقّعة عام 2019 ومُصادَق عليها عام 2021، تُلزم الطرفين بالتسليم المتبادل للمطلوبين. لكن قضاء كل منهما يُقرّر بصورة مستقلة من يُسلّم ومن يحتجز. حين رفضت المحاكم الفرنسية تسليم عبد السلام بوشوارب، ردّت الجزائر بإعلانها "غياب التعاون الفرنسي الكامل في مجال التعاون القضائي". أما الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، فلا يزال خلف القضبان رغم ضغط باريس، في انتظار قرار سيادي جزائري.
وتُمثّل زيارة دارمانان المحطة الثالثة لوزير فرنسي في الجزائر خلال أشهر قليلة، في مسار انفراج تدريجي بدأ بعد الأزمة التي اندلعت صيف 2024 إثر دعم باريس لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية. غير أن الانفراج السياسي شيء واستقلالية الجهازين القضائيين شيء آخر؛ فالحكومتان قادرتان على الاتفاق، لكن لا باريس تستطيع إجبار قضاءها على تسليم بوشوارب، ولا الجزائر قادرة على إطلاق سراح غليز بقرار وزاري. وبين هذين السقفَين يبحث الطرفان عن صيغة تُرضي الجميع، دون أن يعترف أحدهما علناً بأن السياسة حاضرة في قاعة العدل.
نسرين ج



تعليقات