top of page

العنف الذي يلتهم المجتمع : جريمة تبسة كمرآة لجزائر ما بعد الاستقلال

  • 6 يوليو
  • 2 دقيقة قراءة

الجريمة التي هزّت مدينة الشريعة في تبسة لم تكن مجرد اعتداء منزلي انتهى بقتل امرأة والدفاع عن والدها المجاهد، بل كانت لحظة مكثّفة تكشف عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع الجزائري اليوم. حين يقتحم لصوص منزل مجاهد في التسعينات من عمره، ويقتلون ابنته بطعنات متتالية، فإن الحدث يتجاوز حدود الفعل الإجرامي ليصبح مؤشراً على انهيار منظومة الردع، وتآكل الإحساس بالأمان، وتحوّل العنف إلى لغة يومية في فضاء اجتماعي فقد توازنه.


ردود الفعل الشعبية جاءت عفوية وقوية، ليس فقط لأن الضحية ابنة مجاهد، بل لأن الجريمة أعادت إلى السطح سؤالاً ظلّ يتكرر منذ سنوات: لماذا أصبح العنف جزءاً من الحياة اليومية في الجزائر؟ ولماذا تبدو الدولة عاجزة عن مواجهته؟ التشييع الحاشد في الشريعة كان تعبيراً عن غضب جماعي، وعن إحساس بأن المجتمع تُرك وحيداً أمام موجة عنف تتسع، بينما تكتفي السلطات بتصريحات مقتضبة وزيارات بروتوكولية لا تغيّر شيئاً في الواقع.


العنف في الجزائر ليس ظاهرة جديدة، لكنه تغيّر في طبيعته وحدّته. جذوره تمتد إلى إرث الاستعمار الذي خلّف مجتمعاً مثقلاً بالذاكرة وبالعنف غير المعالج، ثم إلى عقود ما بعد الاستقلال التي شهدت مركزية مفرطة للسلطة، وتهميشاً اجتماعياً، وانفجاراً دموياً في التسعينيات لم تُغلق صفحته بعد. غياب العدالة الانتقالية، وعدم كشف الحقيقة، وترك الجراح مفتوحة كلها عوامل جعلت العنف يتحول إلى بنية نفسية واجتماعية كامنة، تظهر كلما ضعفت مؤسسات الضبط.


ما يحدث اليوم يتجاوز الإرث التاريخي. التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقدين الأخيرين خلقت جيلاً يعيش في فراغ قيمي، وسط بطالة مرتفعة، انهيار المدرسة، تراجع دور الأسرة، وانتشار المخدرات في المدن والقرى على حد سواء. في مناطق حدودية مثل تبسة، يتضاعف الأمر بسبب الاقتصاد الموازي، وغياب الدولة الفعلي في بعض الأحياء، وتوسع شبكات الجريمة التي أصبحت توفر للشباب ما لا توفره المؤسسات الرسمية: المال، النفوذ، والانتماء.


السلطات الجزائرية لم تطوّر إلى اليوم سياسة وطنية شاملة لمكافحة العنف. التعامل الأمني يبقى ردّ فعل محدوداً، بينما تغيب المقاربة الوقائية التي تربط بين المدرسة، الصحة النفسية، العدالة، والشرطة المجتمعية. لا توجد برامج جدية لمعالجة الإدمان، ولا خطط لإعادة تأهيل الأحياء الهشّة، ولا رؤية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهكذا يصبح العنف نتيجة طبيعية لغياب الدولة، لا مجرد انحراف فردي.


جريمة تبسة تكشف هذا كله دفعة واحدة. إنها جريمة ضد شخص، لكنها أيضاً جريمة ضد الذاكرة الجماعية، وضد الإحساس بالأمان، وضد ما تبقى من العقد الاجتماعي. حين يُقتل رمز من عائلة ثورية داخل بيته، فإن الرسالة التي يتلقاها المجتمع هي أن العنف أصبح أقوى من الدولة، وأن الردع لم يعد موجوداً، وأن المواطن مهما كان تاريخه أو مكانته لم يعد محمياً.


ما تحتاجه الجزائر اليوم ليس بيانات تنديد، بل إعادة بناء شاملة لمنظومة مواجهة العنف: إصلاح المدرسة، دعم الأسرة، معالجة الإدمان، تقوية العدالة، وتطوير شرطة مجتمعية قريبة من الناس. دون ذلك، ستظل الجرائم تتكرر، وسيظل المجتمع يعيش في حالة خوف صامت، بينما تتسع الهوة بين الدولة والمواطن.


نسرين ج

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page