تصريح ينسف القانون : حين تتحوّل الرسائل الخاصة إلى جريمة في الجزائر
- قبل 3 دقائق
- 2 دقيقة قراءة

لم يكن تصريح أحد المحامين المقرّبين من الخط الرسمي، بأن الرسائل الخاصة وغير المنشورة يمكن أن تُدخل صاحبها السجن، مجرّد رأي عابر في برنامج تلفزيوني. لقد كان اعترافًا صريحًا بوجود فجوة عميقة بين النصوص القانونية التي يفترض أنها تنظّم الحياة العامة وتحمي الحريات، وبين الممارسة الفعلية التي تتجاوز تلك النصوص وتفرغها من مضمونها. فالقانون الجزائري، في صيغته المكتوبة، يضمن حرمة الحياة الخاصة ويحمي سرية المراسلات، ويشترط عنصر النشر العلني لقيام أغلب جرائم التعبير. لكن الواقع القضائي، كما يظهر من هذا التصريح، يسير في اتجاه آخر تمامًا، حيث تتحول الرسائل الخاصة إلى مادة اتهام، وتُعامل المحادثات المغلقة كما لو كانت منشورات عامة، ويُستخرج من الهواتف ما يُفترض أنه محمي بالدستور ليُستخدم كدليل إدانة.
هذا التناقض لا يمكن تفسيره قانونيًا إلا بالقول إن القانون لم يعد المرجع الأول، بل أصبح التأويل الأمني هو الذي يحدد ما يُعتبر جريمة وما لا يُعتبر كذلك. الأخطر من ذلك أن من يفترض أن يكون مدافعًا عن القانون يجد نفسه، وهو يبرّر ممارسات السلطة، يكشف طبيعتها الحقيقية. فحين يعلن محامٍ في قناة وطنية أن رسالة خاصة قد تُدخل صاحبها السجن، فهو يقرّ ضمنيًا بأن السلطة تتجاوز النصوص التي وضعتها بنفسها، وأن القضاء يُستخدم كأداة ضبط سياسي واجتماعي، وأن الفضاء الخاص لم يعد محميًا، وأن التجريم أصبح يشمل ما لم يُنشر وما لم يُقصد نشره. بهذا المعنى، يصبح التصريح شهادة غير مباشرة على طبيعة سلطوية لا تحتاج إلى توصيفات خارجية، إذ يكفي الاستماع إلى من يدافع عنها.
في الأنظمة الديمقراطية، لا يُحاسَب الفرد إلا على فعل مثبت، منشور، علني، يترتب عليه أثر. أما حين تتحول الرسائل الخاصة إلى مادة اتهام، فنحن أمام انتقال خطير من دولة القانون إلى دولة الشبهة، ومن مبدأ البراءة إلى افتراض النية الإجرامية، ومن قضاء مستقل إلى قضاء وظيفي. هذا التحول لا يحتاج إلى تقارير دولية لإثباته؛ يكفي أن يخرج محامٍ في قناة وطنية ليشرح ببساطة أن ما يقوله المواطن في هاتفه قد يجرّه إلى السجن.
الإعلام، في مثل هذه اللحظات، لا يؤدي دوره الطبيعي في مساءلة السلطة، بل يتحول إلى واجهة لتطبيع الاستثناء. فبدل أن يسأل كيف يمكن قانونيًا متابعة شخص بسبب رسالة خاصة، ينشغل بتبرير الممارسة وتقديمها كضرورة لحماية المجتمع. هذا الانقلاب في وظيفة الإعلام هو ما يجعل التصريح أكثر خطورة، لأنه لا يشرح القانون، بل يشرح كيف تُمارس السلطة خارج القانون.
إذا صحّ ما قاله المحامي، فإن السلطة التي يخدمها لا تحتاج إلى من ينتقدها؛ فهي تنتقد نفسها بنفسها. فالجملة التي قالها تكفي لتلخيص طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤكد أن المشكلة ليست في النصوص، بل في من يحتكر تفسيرها وتطبيقها. إنها لحظة تكشف فيها السلطة، عبر أحد المدافعين عنها، ما تحاول إخفاءه: أن الفضاء الخاص لم يعد خاصًا، وأن القانون لم يعد هو الحدّ الفاصل بين الحرية والتجريم.
نسرين ج



تعليقات