رضوان بوجمعة… حين يتحوّل النقد إلى مقاومة معرفية في مواجهة انهيار الخطاب الإعلامي
- قبل دقيقتين
- 2 دقيقة قراءة

يقدّم رضوان بوجمعة، الأستاذ الجامعي والباحث في علوم الإعلام والاتصال، واحداً من أكثر الخطابات النقدية حضوراً في المشهد الجزائري خلال السنوات الأخيرة. خطابه لا يقوم على ردّ الفعل ولا على التعليق السريع، بل على قراءة بنيوية للكيفية التي تُدار بها الشؤون العامة، وعلى تفكيك العلاقة المعقّدة بين السلطة والإعلام والمجتمع. في نصوصه الأخيرة، ومنها تحليله المتعلق بتوالي الفضائح والجرائم، يواصل بوجمعة مشروعه الفكري الذي يربط بين انهيار منظومة التسيير وانهيار وظيفة الصحافة، في سياق سياسي واجتماعي يتّسع فيه هامش التبرير ويضيق فيه هامش المساءلة.
ينطلق بوجمعة من فكرة بسيطة لكنها حاسمة: الفضائح ليست أحداثاً معزولة، بل هي نتاج طبيعي لبنية حكم مختلّة. حين يتحدث عن تضخيم الفواتير، أو استيراد الكباش، أو تسيير العملة الصعبة، أو ما قيل إنه تزوير انتخابي، فهو لا يصف وقائع منفصلة، بل يقرأ نسقاً عاماً يعيد إنتاج نفسه باستمرار. هذا النسق، في نظره، يقوم على غياب الشفافية، وعلى تسيير عمومي يفتقر إلى الرقابة، وعلى مؤسسات لا تُحاسَب إلا عندما يصبح الحدث أكبر من قدرتها على الإخفاء.
لكن جوهر خطابه لا يقف عند مستوى التسيير، بل ينتقل إلى مستوى الخطاب الإعلامي. هنا يوجّه بوجمعة نقداً جذرياً لمنظومة إعلامية تحوّلت، كما يقول، إلى جهاز اتصال لا يمارس من الصحافة سوى اسمها. الإعلام الذي يُفترض أن يكشف الحقائق، أصبح يهلّل للفضائح حين تُعلن، ويحوّل الجريمة إلى قضاء وقدر، ويقدّم السلطة كمنقذ في كل مرة تُكشف فيها كارثة جديدة. في نظره، هذا التحويل الرمزي للحدث هو أخطر ما يهدد المجال العمومي، لأنه يطمس السؤال الجوهري: كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا يتكرر؟
في تحليله لجريمة دار الأيتام، يبرز هذا المنهج بوضوح. بدل التحقيق في ظروف التسيير، وفي علاقة المؤسسات الوصية، وفي مسؤولية الحكومة، اكتفى الإعلام بتغطية زيارات التعازي، وكأن حضور المسؤولين يكفي لإغلاق الملف. هذا، بالنسبة لبوجمعة، ليس مجرد تقصير مهني، بل هو جزء من سياسة اتصال تُعيد تشكيل الواقع الرمزي وتمنع المجتمع من فهم ما يجري فعلاً.
غير أن أهم ما يميّز خطاب بوجمعة هو تحميله الصحفيين أنفسهم مسؤولية هذا الانهيار. فهو لا يكتفي بنقد السلطة، بل ينتقد أيضاً استقالة الصحفيين من دورهم الاستقصائي، وقبولهم بأن يتحولوا إلى موظفين في جهاز اتصال. غياب التحقيقات، في رأيه، ليس نتيجة الخوف فقط، بل أيضاً نتيجة تطبيع مهني جعل من التبرير قاعدة ومن المساءلة استثناءً نادراً.
رضوان بوجمعة أستاذ جامعي وباحث في علوم الإعلام والاتصال، عرف بمساهماته في تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي في الجزائر. اشتغل على قضايا الإعلام العمومي، والتحولات الاتصالية، والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وكتب في الصحافة الجزائرية والدولية، مقدّماً تحليلات نقدية حول أداء المؤسسات الإعلامية، وحول دورها في صناعة الرأي العام. كما ساهم في تكوين أجيال من الصحفيين والباحثين، عبر تدريسه وبحوثه التي تركز على الإعلام كفاعل سياسي لا كوسيط محايد.
خطابه اليوم امتداد لمسار أكاديمي وفكري يربط بين التحليل السوسيولوجي والنقد الإعلامي، ويهدف إلى إعادة الاعتبار للصحافة الاستقصائية، وللمساءلة كشرط أساسي لأي حياة عامة سليمة. في نصوصه، يذكّر دائماً بأن وظيفة الصحافة ليست التهليل، ولا إعادة إنتاج السرديات الرسمية، بل كشف ما يُخفى، ومساءلة من يملك السلطة، والدفاع عن حق المجتمع في معرفة الحقيقة.
بهذا المعنى، يشكّل خطاب رضوان بوجمعة محاولة لإعادة بناء وعي نقدي داخل المجال العمومي الجزائري، وصرخة ضد تحويل الإعلام إلى جهاز تبرير، وضد تحويل الفضيحة إلى إنجاز، وضد قتل الوظيفة الأساسية للصحافة: الاستقصاء.
نسرين ج



تعليقات