top of page

رغم تأكيد محكمة العدل الدولية على الحق في الإضراب... لماذا يتواصل تجريمه في الجزائر ؟

  • قبل 5 ساعات
  • 4 دقيقة قراءة

أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 21 ماي 2026، أن الحق في الإضراب محميّ بموجب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم. وقد استحضر الاتحاد العربي للنقابات هذا الرأي، خلال الندوة الإقليمية التي افتتحها في عمّان يومي 24 و25 أوت الجاري بالتعاون مع الاتحاد الدولي للنقابات ومكتب أنشطة العمال في منظمة العمل الدولية، بوصفه "انتصارًا تاريخيًا" ينبغي أن يتحول من تفسير قانوني نظري إلى حماية فعلية للعمال والنقابيين. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعد أشهر قليلة من صدور هذا الرأي، هو: لماذا لا تزال دول عربية، وفي مقدمتها الجزائر، تسلك المسار المعاكس تمامًا لما أقرّته أعلى هيئة قضائية دولية؟



بيان عمّان: انتصار قانوني لم يتحول بعد إلى حماية فعلية


جاءت الندوة في أعقاب الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 21 ماي 2026، والذي أكّد أن الحق في الإضراب محميّ بموجب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم. ورغم وصف الاتحاد العربي للنقابات لهذا الرأي بأنه "انتصار تاريخي"، شدّدت السكرتيرة التنفيذية للاتحاد، الدكتورة هند بن عمار، على أن قيمته الحقيقية لن تُقاس إلا بقدرة العمال، في كل مكان عمل، على الإضراب سلميًا من دون التعرض للفصل أو الملاحقة القضائية أو فقدان مصدر رزقهم.


الدراسة المقارنة التي أطلقها الاتحاد خلال الندوة، وشملت 19 دولة عربية، خلصت إلى أن الاعتراف الدستوري بحق الإضراب لا يعني عمليًا شيئًا كبيرًا حين تتحول ممارسته إلى مسار طويل من الإخطارات والتحكيم، أو حين تُترك تعريفات فضفاضة لـ"الخدمات الأساسية" تبرر تقييده، أو حين يبقى النقابيون عرضة للفصل التعسفي والملاحقة الجزائية حتى في الدول التي تعترف بالحق قانونًا. وقد صنّف مؤشر الحقوق العالمي للاتحاد الدولي للنقابات لعام 2026 منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجددًا كأسوأ منطقة في العالم من حيث حقوق العمال والحريات النقابية.


"الكنابست": الملف الذي يجسّد المفارقة


الإجابة عن هذا السؤال تبدأ من قضية "الكنابست" ــ المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار للتربية ــ إحدى أبرز النقابات المستقلة في قطاع التعليم الجزائري. فبعد أيام قليلة من صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، لم تُترجَم هذه المكسب القانوني الدولي إلى أي مراجعة في مسار الدعوى القضائية التي كانت مرفوعة أصلًا ضد النقابة منذ مارس 2026 من قبل وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، بدعم من وزارة التربية الوطنية، أمام المحكمة الإدارية ببئر مراد رايس، استنادًا إلى عدم مطابقة وضعية النقابة لأحكام القانون 23-02 المنظم لممارسة الحق النقابي ولمعايير "التمثيلية". بل إن المحكمة أصدرت، بعد الرأي الاستشاري بأسابيع فقط، حكمًا بحلّ النقابة مشمولًا بالنفاذ المعجل، فيما أعلنت "الكنابست" عزمها الطعن في الحكم أمام جهة الاستئناف الإداري.


ولم يتوقف الأمر عند حل الهيكل التنظيمي؛ فقد وُوجه المنسق الوطني للنقابة، مسعود بوديبة، بإجراءات قضائية واصفتها منظمات ونقابات بـ"التعسفية"، من بينها إلزامه بالتنقل المتكرر إلى ولاية المسيلة في إطار الرقابة القضائية، إلى جانب محاولة إحالته على التقاعد القسري. وطال المسار القضائي أيضًا القيادي النقابي بوبكر هابط. وهو ما يطرح التساؤل: كيف يمكن الحديث عن حماية دولية لحق الإضراب بينما تتواصل، في الوقت نفسه، ملاحقة من يمارسونه أو يدافعون عنه بأدوات قضائية وإدارية؟


كيف تُبرَّر الملاحقات؟ وكيف تُقرأ حقوقيًا؟


الرواية الرسمية في الجزائر لا تصف ما يجري بأنه "تجريم للإضراب"، بل تؤطّره كتطبيق لمعايير قانونية تتعلق بـ"التمثيلية" والامتثال للقانون 23-02. غير أن هذا بالذات ما تعتبره منظمات حقوقية ونقابية جوهر المشكلة: أن يتحول شرط قانوني فضفاض، مثل معيار "التمثيلية" الذي لم تُحسم آليات تطبيقه بعد، إلى أداة لحل نقابة كاملة بدل معالجة أي إشكال إجرائي عبر الحوار. فمنظمة "لجنة العدالة" الحقوقية الدولية اعتبرت أن اللجوء إلى القضاء لحل منظمة نقابية مستقلة استنادًا إلى هذه الشروط يشكّل تقييدًا مفرطًا لحرية التنظيم النقابي، ويتعارض مع التزامات الجزائر بموجب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 لعام 1948، التي تحظر صراحة حل المنظمات النقابية أو تعليق نشاطها بقرار من السلطات الإدارية أو القضائية خارج ضمانات محددة.


وقد وقّعت أكثر من عشر هيئات نقابية جزائرية، تحت مظلة كونفدرالية النقابات الجزائرية، بيانًا مشتركًا طالبت فيه السلطات العليا بإلغاء المتابعات القضائية ضد "الكنابست" ورفع كل الإجراءات المفروضة على قياديّيها، معتبرة ما يجري مساسًا صريحًا بحق العمال في التنظيم. كما عبّرت أحزاب سياسية، من بينها جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال، عن إدانتها للضغوط والمتابعات القضائية التي استهدفت النقابة، ووصف بعضها القرار بأنه "سابقة بالغة الخطورة" تمسّ بأسس الحريات النقابية. هذا التوافق بين نقابات مختلفة التوجهات وأحزاب متعددة على وصف واحد للوقائع يعزز الفرضية بأن ما يجري ليس نزاعًا قانونيًا تقنيًا بحتًا، بل مؤشر على نمط أوسع يواجه العمل النقابي المستقل في الجزائر.


الفجوة بين الالتزام الدولي والممارسة الوطنية


هذا بالضبط ما تشير إليه الدراسة المقارنة التي أطلقها الاتحاد العربي للنقابات في عمّان، والتي خلصت، بعد تحليل 19 دولة عربية، إلى أن الاعتراف الدستوري أو القانوني بحق الإضراب لا يعني عمليًا شيئًا كبيرًا حين تُترك تعريفات فضفاضة لمعايير كـ"التمثيلية" أو "الخدمات الأساسية" تبرر تقييد الحق أو حتى حل الكيان النقابي نفسه، وحين يبقى النقابيون عرضة للفصل التعسفي والملاحقة الجزائية حتى في الدول التي تعترف بالحق قانونًا. وبهذا المعنى، فإن قضية "الكنابست" لا تبدو استثناءً جزائريًا معزولًا، بقدر ما تبدو تجسيدًا مباشرًا للنمط الذي حذّر منه بيان عمّان، وللسبب الذي يجعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتل، بحسب مؤشر الحقوق العالمي للاتحاد الدولي للنقابات لعام 2026، مرتبة أسوأ منطقة في العالم من حيث حقوق العمال والحريات النقابية.


فالتوصيات التي خرج بها الاتحاد العربي للنقابات من عمّان ــ مراجعة التشريعات على ضوء اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 و98 والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وإلغاء العقوبات المرتبطة بالإضرابات السلمية، وحظر الفصل والملاحقة بسبب ممارسة هذا الحق، وحصر مفهوم "الخدمات الأساسية" في أضيق الحدود ــ تكاد تكون إجابة جاهزة عن السؤال المطروح: التطبيق الفعلي لهذه التوصيات، لا مجرد الاعتراف الشكلي بها، هو ما يفصل بين انتصار قانوني على الورق وحماية حقيقية للعمال على الأرض. وطالما بقيت هذه الفجوة قائمة، فإن ملف "الكنابست" سيظل أحد أوضح الأمثلة على المسافة الفاصلة بين ما تقرّه محكمة العدل الدولية وما تمارسه بعض الحكومات العربية فعليًا تجاه نقاباتها.




حكيم ش

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page