نزع صلاحيات اللوجيستيك وتعيين مدير حملة انتخابية رئيساً لها : ماذا بقي من استقلالية سلطة تنظيم الإنتخابات ؟
- قبل 3 ساعات
- 5 دقيقة قراءة

أعاد تعيين ساعد عروس على رأس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات النقاش حول حدود استقلالية الهيئة المكلفة بالإشراف على الانتخابات في الجزائر، ليس فقط بسبب الشخص الذي اختير لشغل المنصب، وإنما أيضاً بسبب التحولات التي طرأت على الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم عمل السلطة منذ إنشائها.
فقد وقع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الاثنين 24 أوت 2026، مرسومين رئاسيين أنهى بموجب الأول مهام كريم خلفان بصفته رئيساً بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وعيّن بموجب الثاني سعد عروس رئيساً للسلطة. وجاء التعيين بعد فترة قصيرة من الانتخابات التشريعية التي جرت في يوليو الماضي، وفي سياق التحضير للاستحقاقات المحلية المقبلة.
وعروس ليس وافداً جديداً على دوائر السلطة. فهو محامٍ لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، وكان قد عُيّن عضواً في مجلس الأمة ضمن الثلث الرئاسي بقرار من الرئيس عبد المجيد تبون في يونيو 2020، قبل أن يصبح رئيساً لمجموعة الثلث الرئاسي في الغرفة العليا للبرلمان. وقد انتهت عهدته البرلمانية في 2026، قبل انتقاله إلى رئاسة الهيئة الانتخابية.
هذه المعطيات، في حد ذاتها، لا تعني وجود مخالفة قانونية. فالدستور هو الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيس السلطة وأعضائها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: هل التعيين قانوني؟ وإنما أيضاً: هل ينسجم مع الغاية السياسية والمؤسساتية من إنشاء سلطة انتخابية مستقلة؟
من هيئة مستقلة إلى إعادة توزيع للأدوار
عندما أُدرجت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في دستور 2020، كان ذلك أحد أبرز التحولات في هندسة العملية الانتخابية الجزائرية.
فالمادة 200 من دستور 2020 نصت بوضوح على أن «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مؤسسة مستقلة»، بينما منحت المادة 201 رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيسها وأعضائها لعهدة واحدة مدتها ست سنوات غير قابلة للتجديد، مع اشتراط عدم انتماء أعضاء السلطة إلى أي حزب سياسي.
أما المادة 202، في صيغتها الأصلية، فقد منحت السلطة مهمة تحضير وتنظيم وتسيير والإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية وعمليات الاستفتاء، إضافة إلى عمليات التسجيل في القوائم الانتخابية ومراجعتها، والتحضير للعملية الانتخابية والتصويت والفرز والبت في المنازعات الانتخابية.
وكانت الفكرة الأساسية واضحة: إخراج إدارة الانتخابات، أو الجزء الأكبر منها على الأقل، من منطق الإدارة الحكومية المباشرة وإسنادها إلى هيئة دستورية مستقلة، يفترض أن تكون على مسافة واحدة من مختلف المتنافسين. لكن المشهد تغير مع التعديل الدستوري لسنة 2026.
الإدارة تستعيد الجانب المادي للعملية الانتخابية
التعديل الدستوري الذي صدر في مارس 2026 أبقى على وصف السلطة بأنها «مؤسسة مستقلة»، وأبقى لها مهام التحضير والتنظيم والتسيير والإشراف والرقابة على الانتخابات. لكن المادة 202 المعدلة أضافت حكماً جديداً ينص على أن الإدارة تضمن التحضير المادي للعمليات الانتخابية والاستفتائية.
وبذلك أصبح هناك توزيع جديد للأدوار: السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تتولى الوظائف السياسية والقانونية والرقابية الأساسية، بينما تتكفل الإدارة بجزء مهم من الجوانب المادية واللوجستية.
ولم تكن المحكمة الدستورية غائبة عن هذا النقاش. ففي رأيها المتعلق بالتعديل، قالت إن دسترة السلطة المستقلة سنة 2020 مثلت «مكسباً ديمقراطياً»، لكنها اعتبرت أن إسناد الجوانب المادية واللوجستية إلى الإدارة لا يمس، في نظرها، بجوهر استقلالية السلطة، وإنما يمثل إعادة توزيع للاختصاصات بين الهيئات المتدخلة في العملية الانتخابية.
كما أوضحت المحكمة أن السلطة تحتفظ بصلاحياتها الجوهرية في التحضير والتنظيم والتسيير والإشراف والرقابة، وأن الإدارة تتكفل بالوسائل البشرية والمادية اللازمة للعملية الانتخابية. قانونياً، إذن، يمكن الدفاع عن هذا الفصل بين الوظائف.
لكن سياسياً ومؤسساتياً، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن لهيئة أن تكون مستقلة في مراقبة انتخابات تعتمد في جانب مادي ولوجستي واسع على الإدارة؟
المشكلة الأكبر ليست في القانون فقط، بل في صورة الاستقلالية
استقلالية الهيئات الانتخابية لا تقاس فقط بالنصوص القانونية. فهي تقاس أيضاً بطريقة تشكيلها، وبالشخصياتالتي تتولى قيادتها، وبالمسافة التي تفصلها عن السلطة التنفيذية وعن القوى السياسية المتنافسة. وهنا تكتسب هوية رئيس السلطة الجديد أهمية خاصة.
فساعد عروس كان معيناً من طرف رئيس الجمهورية عضواً في مجلس الأمة ضمن الثلث الرئاسي، ثم تولى رئاسة مجموعة هذا الثلث داخل الغرفة العليا للبرلمان. وهذا يعني وجود مسار سياسي ومؤسساتي واضح يربطه، على الأقل من الناحية المؤسسية، بالجهة التي تتولى اليوم تعيينه على رأس الهيئة الانتخابية. وهذا لا يعني تلقائياً أنه سيكون منحازاً، ولا يسمح مسبقاً بالحكم على أدائه.
لكن استقلالية المؤسسات لا تقوم فقط على حسن النية أو على التزام الشخص الذي يشغل المنصب بالحياد. إنها تقوم كذلك على الضمانات التي تمنع تضارب المصالح وتوفر الثقة لدى جميع الأطراف.
فإذا كانت السلطة الانتخابية مطالبة بالإشراف على انتخابات تتنافس فيها أحزاب وشخصيات معارضة للسلطة القائمة، فإن السؤال الطبيعي يصبح: هل يكفي أن يكون رئيسها غير منتمٍ رسمياً إلى حزب سياسي حتى تتحقق استقلاليته السياسية والمؤسساتية؟ الدستور نفسه يركز على عدم الانتماء الحزبي لأعضاء السلطة، لكن مفهوم الاستقلالية أوسع من مجرد العضوية الحزبية.
من «استقلالية الهيئة» إلى «استقلالية القرار»
هنا تكمن المفارقة الأساسية فالدستور ينص على أن رئيس الجمهورية هو الذي يعين رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وأعضاءها. وفي الوقت نفسه، ينص الدستور على أن السلطة مؤسسة مستقلة. وبالتالي، فإن الاستقلالية في النموذج الجزائري ليست استقلالية كاملة في مصدر التعيين؛ وإنما استقلالية يفترض أن تتحقق أساساً في ممارسة الوظيفة بعد التعيين.
وهذا يطرح سؤالاً مهماً: ما هي الضمانات العملية التي تمنع رئيس السلطة من التأثر بالجهة التي عينته؟
عهدة الست سنوات غير القابلة للتجديد تشكل ضمانة مهمة، لأنها تقلل من احتمال سعي المسؤول إلى إرضاء جهة من أجل الحصول على. لكن هذه الضمانة لا تلغي أهمية الخلفية السياسية والمؤسساتية للشخص الذي يتم اختياره. و في حالة سعد عروس، فإن الانتقال من رئاسة مجموعة الثلث الرئاسي في مجلس الأمة إلى رئاسة الهيئة المكلفة بالإشراف على الانتخابات يطرح، على الأقل، إشكالية الصورة العامة للاستقلالية.
الاستقلالية تُقاس أيضاً بما يراه المتنافسون
في الأنظمة الديمقراطية، لا يكفي أن تكون الهيئة الانتخابية مستقلة في النص؛ يجب أن يقتنع المتنافسون والناخبون بأنها مستقلة أيضاً. وهذا فرق جوهري بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية أو المدركة. فإذا كان أحد الأطراف السياسية يعتقد مسبقاً أن رئيس الهيئة قريب من السلطة التي ينافسها، فإن ذلك قد يؤثر على ثقته في العملية الانتخابية، حتى لو لم يقع أي تدخل فعلي في عمل الهيئة.
ولهذا السبب تحديداً تحرص العديد من الأنظمة الانتخابية على البحث عن شخصيات ذات مسافة سياسية واضحة عن السلطة التنفيذية والأحزاب، ليس فقط لضمان الحياد، وإنما لتجنب الشكوك حول الحياد.
فماذا بقي من استقلالية السلطة؟
الإجابة الموضوعية لا يمكن أن تكون: «لم يبق شيء». فالسلطة ما زالت مؤسسة دستورية مستقلة، وما زالت تتمتع باختصاصات واسعة، خصوصاً في الرقابة والإشراف والتنظيم والبت في عدد من الجوانب المرتبطة بالعملية الانتخابية. كما أن المادة 202 المعدلة أبقت لها صراحة مسؤولية التحضير والتنظيم والتسيير والإشراف والرقابة. لكن القول بأن كل شيء بقي على حاله سيكون غير دقيق أيضاً.
فبينما كانت صياغة دستور 2020 تمنح السلطة مسؤولية واسعة تشمل التحضير المادي للعملية الانتخابية، أصبح الدستور المعدل يضع جزءاً من هذا التحضير، تحديداً الجانب المادي، في يد الإدارة.
وفوق ذلك، فإن اختيار رئيس جديد للسلطة يتمتع بمسار مؤسساتي مرتبط مباشرة بالثلث الرئاسي يفتح نقاشاً مشروعاً حول المسافة السياسية التي ينبغي أن تفصل رئيس الهيئة الانتخابية عن السلطة التنفيذية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لا تزال موجودة، ولا حتى ما إذا كانت تتمتع باختصاصات قانونية واسعة.
السؤال الأعمق هو: هل تستطيع هذه السلطة أن تقنع مختلف المتنافسين والناخبين بأنها مستقلة عن السلطة التي عيّنت رئيسها، حتى عندما تتولى الإدارة جزءاً من الجهاز المادي واللوجستي للعملية الانتخابية؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي لاستقلالية الهيئة.
وسيكون أول اختبار عملي لسعد عروس هو الانتخابات المحلية المقبلة. فهناك، وليس في النصوص وحدها، سيتضح ما إذا كانت الاستقلالية الدستورية ستتحول إلى استقلالية فعلية في القرار والممارسة، أم أن الجزائر تتجه تدريجياً نحو نموذج هجين يجمع بين هيئة انتخابية مستقلة في الرقابة وهيكل إداري تابع للدولة في إدارة جزء أساسي من العملية الانتخابية.
وفي نهاية المطاف، استقلالية السلطة الانتخابية لا تُقاس فقط بمن يترأسها، ولا فقط بمن يعين رئيسها، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار الانتخابي دون ضغط، وبقدرة جميع الأطراف على قبول هذا القرار باعتباره صادراً عن هيئة محايدة ومستقلة.
حاج إبراهيم



تعليقات