نصيرة ديتور.. ثلاثون عامًا من البحث عن سؤال واحد: أين أمين ؟
- قبل ساعة واحدة
- 2 دقيقة قراءة

في الثلاثين من جويلية 2025، وقفت نصيرة ديتور عند أحد منافذ الحدود الجزائرية، وبين يديها جواز سفر جزائري ساري المفعول، لكنها لم تتجاوز البوابة. احتُجزت قرابة ثلاث ساعات، واستُجوبت عن نشاطها الجمعوي، قبل أن تُعاد أدراجها إلى فرنسا. لم يكن الأمر مجرد إجراء إداري عابر، بل كان أحدث فصل في مسار امرأة حوّلت مأساتها الشخصية إلى قضية جماعية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
تعود جذور قصة ديتور إلى سنوات العنف التي عصفت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي. ففي 1997، فقدت ابنها أمين في ظروف اختفاء قسري، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة بحث لم تتوقف. تحوّل ألمها الفردي، بحكم الظرورة والالتزام، إلى نضال جماعي إلى جانب مئات العائلات الجزائرية التي تعيش المأساة ذاتها: أبناء وآباء وأزواج اختفوا دون أثر، وعائلات بقيت تنتظر جوابًا لم يأتِ.
من أمّ باحثة إلى مدافعة عن آلاف المفقودين
بصفتها رئيسة تجمع عائلات المفقودين في الجزائر (CFDA) ومنظمة SOS Disparus، عملت ديتور على نقل صوت العائلات إلى المحافل الدولية، وعلى إبقاء ملف المفقودين حيًّا في الذاكرة الجزائرية والدولية رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على بداية المأساة. لم تكن مهمتها البحث عن الحقيقة فحسب، بل المطالبة بالعدالة وجبر الضرر، وضمانات عدم تكرار ما جرى.
المنع من الدخول: مفارقة مؤلمة
منعها من دخول الجزائر في جويلية 2025، رغم حيازتها جواز سفر جزائري ساري، يختصر مفارقة قاسية: امرأة فقدت ابنها في الاختفاء القسري، وكرّست حياتها للبحث عن الحقيقة نيابة عن آلاف الأسر، تجد نفسها هي ذاتها ممنوعة من دخول بلدها الذي تحمل جنسيته.
لم تمرّ الواقعة دون صدى دولي. ففي مراسلة مؤرخة في 29 أوت 2025، أثار خمسة من أصحاب الولايات الخاصة التابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قضية منعها من دخول الجزائر، رابطين إياها بجملة من المخاوف الحقوقية: الاختفاء القسري و حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات مع حماية المدافعين عن حقوق الإنسان و الحق في الحقيقة والعدالة والجبر، وضمانات عدم التكرار.
كما أعرب الخبراء الأمميون عن قلقهم إزاء القيود التي تطال عمل تجمع عائلات المفقودين وSOS Disparus، في وقت لا تزال فيه العائلات تطالب بأبسط حقوقها: معرفة مصير ذويها.
سؤال بلا جواب منذ ثلاثة عقود
بعد ما يقارب ثلاثين عامًا، لا يزال السؤال الذي بدأت به قصة ديتور معلقًا: أين أمين؟ وماذا حدث له؟ وهو السؤال ذاته الذي يحمله آلاف العائلات الجزائرية التي لم تعرف بعد مصير أبنائها وآبائها وأزواجها.
وفي 30 أوت، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تعيد قصة نصيرة ديتور التذكير بأن الاختفاء القسري لا ينتهي باختفاء الضحية وحدها، بل يترك خلفه أمًّا تبحث، وعائلة تنتظر، وأسئلة قد تبقى بلا إجابة لعقود طويلة.
البحث عن الحقيقة ليس جريمة
البحث عن ابن مفقود ليس جريمة، والدفاع عن حق العائلات في معرفة الحقيقة ليس تهديدًا لأحد. ومن يكرّسون حياتهم لكشف مصير المفقودين ينبغي أن يتمكنوا من مواصلة نضالهم دون منع أو تضييق أو ترهيب.
اختفى أمين قبل ثلاثة عقود، لكن والدته لم تتوقف يومًا عن البحث. والحقيقة التي تطالب بها عائلات المفقودين في الجزائر لا تسقط بالتقادم، ولا تنتهي بمرور الزمن.
حكيم ش



تعليقات