عشرات الضحايا جرٌاء الحرائق وثاني حداد وطني : لماذا لم تستقل الحكومة ؟
- قبل دقيقتين
- 3 دقيقة قراءة

لم يلتئم جرح الجزائريين بعد من حادثة انقلاب حافلة النقل التي حصدت أرواح العشرات، حتى فوجئوا بكارثة جديدة تضرب البلاد: حرائق غابات واسعة اجتاحت عدة ولايات في الشمال الشرقي، وعلى رأسها جيجل وبجاية وتيزي وزو.
أعلن وزير الداخلية سقوط 12 قتيلاً جراء هذه الحرائق، موزعين بواقع 5 وفيات في ولاية جيجل، و4 في بجاية، و3 في تيزي وزو، إضافة إلى نحو 54 مصاباً يتلقون العلاج في المستشفيات جراء حروق، من بينهم ستة في حالة خطيرة. وبحسب المديرية العامة للحماية المدنية، كان لا يزال 46 حريقاً مشتعلاً من أصل 193 حريقاً سُجّلت خلال أربع وعشرين ساعة فقط، وهو رقم يعكس حجم الكارثة وسرعة انتشارها.
وقد طالت الحرائق عدة ولايات في وقت واحد تقريباً، إذ سُجّلت سبعة حرائق في كل من جيجل وبجاية وسكيكدة، وخمسة في كل من الطارف وتيزي وزو، وأربعة في كل من عنابة وقالمة، فضلاً عن حرائق أخرى في ميلة وتبسة وقسنطينة وتيسمسيلت وسوق أهراس وسطيف. وأمام اتساع رقعة النيران، أعلن الدرك الوطني إغلاق ثلاثة محاور رئيسية تربط مناطق الشرق بسبب الحرائق القريبة من بجاية وجيجل وسطيف، فيما اضطرت السلطات إلى إجلاء عائلات من مناطق سكنية اقتربت منها النيران.
وعلى إثر هذه الحصيلة الثقيلة، أعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من الخميس، مع تنكيس الأعلام الوطنية وإلغاء جميع مظاهر الاحتفالات والمنافسات الرياضية الوطنية.
حداد ثانٍ في أقل من شهر
والمفارقة المؤلمة أن هذا هو الحداد الوطني الثاني الذي تعيشه البلاد في ظرف وجيز جداً. فقبل أسابيع قليلة فقط، وقع حادث مروري مروّع على الطريق الوطني رقم 24 بمنطقة الكرمة في ولاية بومرداس، حين انحرفت حافلة لنقل المسافرين وسقطت في منحدر، لترتفع حصيلته النهائية إلى 27 قتيلاً وعشرات الجرحى. وحينها أيضاً أعلن الرئيس تبون حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام، متوعداً بمحاسبة المتسببين في الحادث. ووُصف حادث بومرداس بأنه الأكثر دموية منذ أغسطس/آب 2025، حين سقطت حافلة ركاب في واد بالعاصمة وأودت بحياة 18 شخصاً.
ولم تكد الجزائر تفيق من صدمة بومرداس حتى سُجّل حادث آخر جنوب البلاد أسفر عن مقتل أربعة أشخاص إثر اصطدام حافلة ركاب بسيارة سياحية، ثم تلته لاحقاً حادثة انقلاب حافلة أخرى في ولاية النعامة جنوب غرب البلاد، أودت بحياة ستة أشخاص وأصابت 31 آخرين. سلسلة من الكوارث المتلاحقة جعلت الرأي العام الجزائري يعيش أياماً متتالية بين الحداد والتعازي، في وقت تتكرر فيه التساؤلات ذاتها حول جاهزية الدولة لمواجهة هذه الأخطار.
أسئلة تفرض نفسها: أين كانت الوقاية؟
يرى منتقدو الأداء الحكومي أن تكرار هذه الكوارث خلال فترة قصيرة جداً ليس مجرد سوء حظ أو قدر محتوم، بل نتيجة تراكم إخفاقات تتحمل الحكومة مسؤوليتها المباشرة فيها. فتتكرر حرائق الغابات في الجزائر كل صيف تقريباً، وهو ما كان يفترض أن يدفع الحكومة إلى وضع خطة استباقية حقيقية لموسم الاصطياف، تشمل تعزيز أسطول الطائرات المخصصة لإطفاء الحرائق وفتح ممرات النار وصيانة الطرق الغابية، بدل الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الكارثة. كما أن تعدد الحرائق إلى هذا الحد، بواقع 193 حريقاً في يوم واحد وفق الحصيلة الرسمية، في مقابل محدودية الوسائل الجوية والبرية المتاحة، يطرح تساؤلات جدية حول كفاية الميزانيات المخصصة لهذا القطاع الحيوي.
ولا يقتصر الإخفاق، بحسب هذا الطرح، على ملف الحرائق وحده، إذ يعيد توالي حوادث الحافلات المميتة خلال أسابيع معدودة، من بومرداس إلى النعامة وغيرهما، فتح ملف حالة الطرقات وصلاحية المركبات المرخصة لنقل المسافرين وآليات الرقابة على شركات النقل، وهي ملفات تتحمل فيها الوزارات المعنية بالنقل والأشغال العمومية والداخلية مسؤولية مباشرة. ويضاف إلى ذلك غياب أي مساءلة سياسية حقيقية حتى الآن، فرغم تكرار الوعود بمحاسبة المتسببين، ظلت المساءلة مقتصرة على تحقيقات تقنية أو قضائية في كل حادث على حدة، دون أن تطال أي مسؤولية سياسية أو حكومية عن الإخفاق العام في الوقاية والاستعداد.
من هذا المنطلق، يتساءل كثيرون: إذا كانت الحكومة تتحمل، ولو جزئياً، مسؤولية غياب الاستعداد لهذه الكوارث المتكررة، أفلا يستوجب تراكم هذه الإخفاقات في وقت قصير جداً محاسبة سياسية فعلية، تبدأ بمراجعة تشكيلة الحكومة أو حتى استقالتها، بدل الاكتفاء بإعلانات الحداد وتقديم التعازي؟
في المقابل: أصوات تدعو إلى التريث
في المقابل، يشير آخرون إلى معطيات تستدعي عدم اختزال المسألة في تحميل الحكومة الحالية وحدها المسؤولية الكاملة. فحرائق الغابات في الجزائر ظاهرة متكررة ومتفاقمة عاماً بعد عام بفعل تغير المناخ وموجات الجفاف والحرارة الشديدة، وقد سبق أن أودت حرائق مماثلة في محيط بجاية عام 2023 بحياة أكثر من 30 شخصاً، أي في ظل حكومة سابقة أيضاً، ما يطرح سؤال البنية الهيكلية للمشكلة لا أداء حكومة بعينها فقط. كما أن فتح تحقيقات فورية بعد كل حادث، كما جرى في حادثة بومرداس، قد يشير إلى وجود إرادة لمعالجة الأسباب التقنية والبشرية، حتى وإن كانت نتائجها لم تظهر بعد للرأي العام.
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن تحميل حكومة بأكملها مسؤولية الاستقالة عن حوادث وكوارث متعددة الأسباب، مناخية وتقنية وسلوكية مرتبطة بالسائقين وحالة الطرق، قد يُنظر إليه من زاوية أخرى كخطوة رمزية أكثر منها حلاً جذرياً، ما لم ترافقها إصلاحات هيكلية فعلية في قطاعي الحماية المدنية والنقل. ويذكّرون بأنه في أنظمة سياسية عديدة، لا ترتبط استقالة الحكومة تلقائياً بكل كارثة طبيعية أو حادث مروري، بل تُطرح المساءلة عادة عبر آليات أخرى كالتحقيقات البرلمانية أو القضائية ومحاسبة المسؤولين القطاعيين المباشرين.
يبقى السؤال مطروحاً أمام الرأي العام الجزائري: هل ما جرى في أسابيع معدودة مجرد سلسلة كوارث متتالية سيئة الحظ، أم مؤشر على أزمة استعداد وإدارة تستوجب مساءلة سياسية حقيقية؟
نسرين ج



تعليقات