top of page

عودة الجدل البومديني : تصريحات بوكروح تكسر صمت الذاكرة الثقيلة

  • قبل 5 أيام
  • 2 دقيقة قراءة

أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات نور الدين بوكروح حول الرئيس الراحل هواري بومدين فتح ملف الذاكرة السياسية في الجزائر، بعدما تحوّلت مقابلة إعلامية إلى موجة غضب على مواقع التواصل وفي أوساط بعض المثقفين. فقد استخدم بوكروح عبارات وُصفت بالجارحة حين تحدث عن بومدين، ونعته بصفات اعتبرها كثيرون مهينة وغير مسبوقة في الخطاب السياسي الجزائري، ما جعل النقاش ينزلق من تقييم التجربة البومدينية إلى مساءلة حدود النقد وشرعية "المساس بالرموز الوطنية".


ورغم أن النقاش حول إرث بومدين ليس جديداً، فإن حدّة اللغة التي استعملها بوكروح صدمت جزءاً كبيراً من الرأي العام. فالرجل الذي شغل مناصب وزارية وكتب مطولاً عن الفكر السياسي الجزائري، بدا هذه المرة وكأنه يتخلى عن أدوات التحليل لصالح الانفعال. وقد رأى منتقدوه أن المشكلة لم تكن في مضمون ما قاله، بل في الطريقة التي قيل بها، خصوصاً أن بومدين ما يزال يحتل موقعاً مركزياً في الذاكرة الجماعية، سواء لدى من يعتبرونه مهندس الدولة الوطنية أو لدى من ينتقدون سلطويته.


وتزداد حدّة الجدل حين نضع خطاب بوكروح في مواجهة خطاب بومدين نفسه. فالأول يعتمد على لغة فردية، ذاتية، مشحونة بالانطباعات الشخصية، ويقدّم أحكاماً قطعية لا تستند دائماً إلى تحليل مؤسسي أو قراءة تاريخية متوازنة. أما خطاب بومدين، على الرغم من طابعه السلطوي، فقد كان خطاب دولة لا خطاب فرد، يقوم على بناء سردية جماعية حول السيادة، التنمية، والعدالة الاجتماعية. كان بومدين يتحدث من موقع السلطة لكنه يوجّه خطابه إلى الأمة، بينما يتحدث بوكروح من موقع المثقف لكنه يوجّه خطابه ضد الأشخاص. هذا التباين بين خطاب يهدف إلى تعبئة الجماعة وخطاب يركّز على تصفية الحسابات الرمزية هو ما جعل المقارنة بينهما تميل لصالح بومدين في المخيال الشعبي، حتى لدى من ينتقدون تجربته السياسية.


ومع ذلك، فإن تاريخ بومدين نفسه ليس صفحة بيضاء. فقد ارتبطت سنوات حكمه بملفات ثقيلة لا تزال محل نقاش واسع: اغتيالات سياسية لم تُكشف كل تفاصيلها، سجن معارضين بارزين، فرض سردية رسمية واحدة حول الثورة والدولة، واعتماد سياسة لغوية أحادية أقصت التنوع اللغوي والثقافي للبلاد. هذه الجوانب، التي يتجنب البعض الخوض فيها، تشكّل جزءاً من الصورة الكاملة لعهد بومدين، وتفسّر لماذا ظل إرثه موضوعاً للانقسام بين من يرونه رمزاً للبناء الوطني ومن يعتبرون أن مشروعه حمل بذور السلطوية التي ستتكرس لاحقاً.


ردود الفعل على تصريحات بوكروح جاءت سريعة ومتباينة، لكنها اتفقت على رفض الأسلوب. كتّاب ومؤرخون اعتبروا أن النقد التاريخي مشروع، لكن التجريح الشخصي يسيء إلى النقاش العمومي ولا يخدم الحقيقة. آخرون رأوا أن تصريحات بوكروح تعبّر عن أزمة أعمق في الخطاب السياسي، حيث تختلط القراءة التاريخية بالحسابات الشخصية، ويتحوّل النقاش حول الماضي إلى ساحة استقطاب جديدة. وفي خضم هذا الجدل، وجد بوكروح نفسه مضطراً إلى إصدار اعتذار علني، أقرّ فيه بأن عباراته كانت غير لائقة وأنها صدرت في لحظة انفعال، مؤكداً أنه لم يقصد الإساءة إلى عائلة بومدين أو التقليل من دوره في بناء الدولة.


لكن الاعتذار لم يطفئ تماماً نار الجدل، بل أعاد طرح سؤال أكبر حول كيفية التعامل مع الشخصيات التاريخية في الجزائر. فبين من يطالب بفتح نقاش هادئ حول التجربة البومدينية، ومن يرفض المساس برمزية الرجل، يظل الملف محكوماً بحساسية الذاكرة الوطنية وبغياب تقاليد راسخة في كتابة التاريخ السياسي بعيداً عن التقديس أو الشيطنة. وفي كل الأحوال، أظهرت الواقعة أن بومدين، بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، ما يزال قادراً على تحريك السجال العام، وأن أي مقاربة لاسمه تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والمسؤولية.


نسرين ج

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page