التجريد من الجنسية : تصريح رئيس الأرندي … بين الخطاب السياسي وحدود الفهم القانوني
- cfda47
- قبل 5 أيام
- 3 دقيقة قراءة

أثار تصريح رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي (الارندي)، بشأن مشروع قانون التجريد من الجنسية، جدل في الأوساط السياسية والحقوقية، بعدما قدّم عبر قناة تلفزيونية جزائرية، مواقف اعتبرها كثيرون خروجًا عن الإطار القانوني، وتعبيرًا عن مقاربة سياسية أكثر منها مؤسسية. التصريح، الذي جاء في ظرف سياسي دقيق، كشف عن فجوة واضحة بين الخطاب الحزبي ومتطلبات الفهم العميق لحقوق الإنسان والآليات القانونية التي تنظّم عمل الدولة. هذا الجدل أعاد طرح سؤال جوهري حول مسؤولية الخطاب الحزبي وحدود تعامله مع قضايا تمس الحقوق الأساسية للمواطن الجزائري.
أثار تصريح منذر بودن، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي بشأن مشروع قانون التجريد من الجنسية اهتمامًا ملحوظًا داخل الأوساط السياسية والحقوقية، لما انطوى عليه من قراءة اعتُبرت غير منسجمة مع الضوابط الدستورية والمعايير القانونية التي تحكم هذا النوع من الإجراءات.
وهي تصريحات اعتبرها عدد من المتابعين ذات طابع شعبوي، تُقرأ في سياق محاولة لإعادة التموضع السياسي وتقريب الخطاب من توجهات السلطة القائمة. إذ يُعدّ التجريد من الجنسية إجراءً ذا تبعات خطيرة تمتدّ إلى ما هو أبعد من البعد القانوني المباشر. حيث يرى بعض المراقبين أن مثل هذه المشاريع القانونية تُفهم على أنها قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير وتعزيز تركّز السلطة بيد مؤسسات محددة، وهو ما يثير مخاوف بشأن هامش الحريات ومستقبل المشاركة السياسية.
فمثل هذا الإجراء قد يمسّ جوهر الحقوق الأساسية للمواطن الجزائري، ويخلق حالات انعدام جنسية تؤدي إلى حرمان واسع من الحقوق المدنية والاجتماعية. كما يفتح الباب أمام مخاطر التوظيف السياسي، إذ يمكن أن يتحوّل إلى أداة لإقصاء الأصوات المزعجة أو إعادة رسم الولاءات داخل المشهد العام. وإلى جانب ذلك، يضعف هذا النوع من القوانين ثقة المواطن في المؤسسات عندما يشعر بأن رابطة المواطنة قد تُستخدم كوسيلة ضغط أو عقاب. كما قد يضع الدولة في مواجهة التزاماتها الدولية، ويخلّف آثارًا اجتماعية وإنسانية عميقة تمسّ الأسر والأفراد على حدّ سواء، دون أن يثبت فعاليته الحقيقية في معالجة الأسباب الجذرية للتهديدات التي يُفترض أنه جاء لمواجهتها.
خطاب سياسي يفتقر إلى الأساس القانوني
الملاحَظ في تصريح منذر بودن، رئيس الحزب، اعتماده على لغة سياسية مباشرة تفتقر إلى الإسناد القانوني الضروري عند تناول قضايا حساسة مثل التجريد من الجنسية. فبدل تقديم قراءة تستند إلى النصوص الدستورية أو المعايير الدولية، جاء الخطاب أقرب إلى تبرير سياسي منه إلى تحليل قانوني، ما فتح الباب أمام انتقادات واسعة.
هذا النمط من الخطاب يعكس إشكالية متكررة لدى بعض القيادات الحزبية التي تتعامل مع الملفات الحقوقية بمنطق سياسي صرف، دون إدراك أن هذه الملفات محكومة بقواعد صارمة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو التبريرات الظرفية.
توظيف سياسي لقضية حقوقية حساسة
يبدو أن التصريح لم يكن معزولًا عن سياق سياسي أوسع، حيث يسعى بعض الفاعلين إلى إعادة التموضع داخل المشهد عبر تبني خطاب ينسجم مع توجهات السلطة. غير أن توظيف قضية حساسة مثل التجريد من الجنسية في سياق سياسي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه يضع الحزب في موقع المتناقض مع المبادئ التي يفترض أن يدافع عنها.
كما أن تقديم إجراءات تمس الحقوق المدنية في قالب سياسي قد يضعف ثقة الرأي العام في جدية الأحزاب وقدرتها على تقديم بدائل مسؤولة.
غياب الإحاطة بالآليات القانونية
من أبرز نقاط الضعف في التصريح غياب الإشارة إلى الآليات القانونية التي تحكم القرارات السيادية، سواء ما يتعلق بالضمانات الدستورية، أو الرقابة القضائية، أو الالتزامات الدولية للدولة. هذا الغياب يعكس نقصًا في الإحاطة بالمنظومة القانونية، وهو أمر غير مقبول من قيادة حزبية يُفترض أن تكون جزءًا من صناعة القرار أو مراقبته.
الحاجة إلى تجديد الخطاب الحزبي
تكشف هذه الحادثة عن حاجة ملحّة لدى الأحزاب السياسية إلى تطوير خطابها، والاعتماد على خبراء قانونيين وحقوقيين قبل الإدلاء بمواقف قد تُفهم على أنها تراجع عن المكتسبات الحقوقية. فالمشهد السياسي اليوم لم يعد يحتمل الخطابات الانفعالية أو الشعبوية، بل يحتاج إلى رؤية مؤسساتية واضحة.
تصريح رئيس حزب الأرندي بشأن مشروع قانون التجريد من الجنسية ليس مجرد زلة خطابية، بل مؤشر على أزمة أعمق في الثقافة السياسية لدى بعض الأحزاب، التي ما تزال تتعامل مع قضايا حقوق الإنسان بمنطق سياسي ضيق، بعيدًا عن الفهم القانوني الواجب.
النقد هنا ليس استهدافًا للحزب، بل دعوة إلى الارتقاء بالخطاب السياسي ليكون أكثر انسجامًا مع دولة القانون.
نسرين ج



تعليقات