قانون المرور، قانون الأحزاب، قانون تجريم الاستعمار : لماذا تتراجع الحكومة الجزائرية عن مشاريع قوانينها ؟
- cfda47
- قبل 3 أيام
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 20 ساعة

تشهد الساحة السياسية في الجزائر خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من التراجعات الحكومية عن مشاريع قوانين أثارت جدلاً واسعاً، بدءاً من القانون الأساسي للتربية، مروراً بقانون الأحزاب وقانون المرور، وصولاً إلى مشروع تجريم الاستعمار، مع مؤشرات على مراجعة مرتقبة لقانون الإضراب والحق النقابي. هذا المسار المتكرر يطرح تساؤلات حول خلفياته ودلالاته، وما إذا كان يعكس ديناميكية صحية في صناعة القرار أم ارتباكاً في هندسة السياسات العامة.
التراجعات المتتالية للحكومة الجزائرية عن مشاريع قوانينها الأخيرة جاءت نتيجة ضغط قوي من النقابات المهنية التي أصبحت الفاعل الأكثر تأثيراً في غياب قنوات مؤسسية فعّالة للحوار. فقد لعبت هذه النقابات دوراً محورياً في تعبئة القواعد العمالية وفرض مراجعة نصوص مثل القانون الأساسي للتربية وقانون المرور.
في المقابل، برز نشطاء المجتمع المدني كصوت بديل في ظل غياب صحافة مستقلة قادرة على مراقبة السلطة ونقل النقاش العمومي. هؤلاء النشطاء تبنّوا مهمة كشف الثغرات القانونية والتنبيه إلى مخاطر التضييق على الحقوق، ما ساهم في خلق رأي عام ضاغط أجبر الحكومة على التراجع أو تعديل مشاريعها. بهذا، تحوّل المشهد إلى معادلة جديدة: نقابات تعبّئ، ونشطاء يفضحون، وحكومة تتراجع في ظل فراغ إعلامي واضح.
ضغط اجتماعي ونقابي يصعب تجاهله
أبرز ما تكشفه هذه التراجعات هو أن الحكومة تواجه ممانعة قوية من الشارع ومن الفاعلين النقابيين. ففي قطاع التربية، أدى رفض الأساتذة والنقابات لشرط التكوين الإجباري إلى تراجع سريع عن بند كان يُفترض أن يكون محورياً في إصلاح المنظومة. هذا التفاعل يعكس أن القطاعات الحساسة—مثل التعليم والصحة والنقل—لا يمكن التعامل معها بمنطق القرارات الفوقية دون حساب ردود الفعل.
حسابات سياسية في مرحلة انتقالية
قانون الأحزاب، الذي أثار مخاوف بشأن تضييق المجال السياسي، خضع بدوره لمراجعة عميقة. هذا التراجع يوحي بأن السلطة تدرك أن المشهد السياسي الداخلي لا يتحمل مزيداً من الانغلاق، خاصة في ظل الحاجة إلى تهدئة اجتماعية وتوازنات دقيقة بين مؤسسات الدولة والفاعلين السياسيين.
قوانين تقنية تواجه واقعاً اجتماعياً معقداً
قانون المرور مثال آخر على صعوبة فرض تشريعات مشددة في سياق اجتماعي واقتصادي هش. العقوبات القاسية التي تضمنتها النسخة الأولى أثارت احتجاجات واسعة، خصوصاً لدى سائقي النقل، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في النص. هذا يبرز أن التشريعات التقنية لا يمكن فصلها عن القدرة الاقتصادية للمواطن ولا عن البنية التحتية التي يفترض أن تدعم تطبيقها.
تجريم الاستعمار بين الرمزية والسياسة الخارجية
مشروع قانون تجريم الاستعمار، رغم شعبيته، يظل محكوماً بتوازنات دقيقة في العلاقات الجزائرية–الفرنسية. التريث في تمريره يعكس أن الحكومة تسعى إلى تجنب التصعيد الدبلوماسي في مرحلة تتطلب تعاوناً اقتصادياً وأمنياً مع باريس، ما يجعل هذا الملف رهينة حسابات خارجية أكثر منه قراراً داخلياً صرفاً.
قانون الإضراب والحق النقابي… معركة قادمة
المؤشرات الحالية توحي بأن مشروع قانون الإضراب سيكون محطة اختبار جديدة بين الحكومة والنقابات. أي محاولة لتقييد الحق النقابي قد تفتح الباب أمام موجة احتجاجات واسعة، ما يجعل الحكومة أمام خيارين:
• إما الاستمرار في نهج التراجع تحت الضغط
• أو المواجهة مع حركة نقابية تمتلك قدرة تعبئة كبيرة
هل نحن أمام ارتباك أم مرونة ؟
تعدد التراجعات قد يُقرأ بطريقتين متناقضتين:
أولاً: ارتباك في صناعة القرار : غياب دراسات معمقة قبل صياغة القوانين، ضعف التشاور مع الفاعلين المعنيين وطرح نصوص غير ناضجة ثم تعديلها تحت الضغط.
ثانياً: مرونة سياسية إيجابية : الاستجابة لمطالب المجتمع، تصحيح المسار بدل الإصرار على أخطاء تشريعية وفتح المجال للنقاش العمومي حول القوانين.
الحقيقة ربما تقع بين الاثنين: حكومة تحاول فرض إصلاحات بسرعة، لكنها تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي يفرض عليها التراجع وإعادة الحسابات.
تكرار التراجعات التشريعية في الجزائر ليس مجرد صدفة، بل هو مؤشر على مرحلة انتقالية تتسم بتوترات اجتماعية، وحسابات سياسية دقيقة، وضغوط نقابية متزايدة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتجه الحكومة نحو صياغة قوانين أكثر نضجاً وتشاركية، أم ستستمر في سياسة “التجريب والتراجع” التي قد تؤثر على ثقة المواطن في العملية التشريعية ؟
حاج إبراهيم



تعليقات