الجزائر : العفو الدولية تحذّر من استئناف الإعدامات بعد 30 عامًا من التجميد

دعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى التراجع فورًا عن أي مساعٍ لتوسيع نطاق عقوبة الإعدام أو استئناف تنفيذها، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التوقف الفعلي عن تنفيذ أي حكم بالإعدام، وذلك في وقت تدرس فيه الحكومة تعديل قانون العقوبات على خلفية حرائق الغابات المدمّرة التي ضربت شمال شرق البلاد. وتطالب المنظمة بإعلان وقف رسمي فوري لتنفيذ الإعدامات، باعتباره خطوة أولى نحو إلغائها بالكامل، كما تحثّ على تبني مقاربة قائمة على حقوق الإنسان في التعامل مع تبعات الحرائق، تشمل فتح تحقيقات جدية في أسباب الخسائر البشرية ومحاسبة المسؤولين دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام.
في 30 أوت، كلّف الرئيس عبد المجيد تبون وزارة العدل بتعديل قانون العقوبات في غضون أسبوعين، بما يعيد العمل بعقوبة الإعدام في حق كل من يتسبّب عمدًا في إشعال الحرائق أو يحرّض عليها، مؤكدًا أن الأحكام ستُنفَّذ فور استنفاد سبل الطعن. وجاء هذا التوجيه بعد أيام من حرائق غابات مميتة اجتاحت، بين 26 و30 أوت ، منطقة القبائل ومناطق أخرى في الشمال الشرقي، وأتت على قرى بأكملها. وبدأت الحكومة في 6 سبتمبر دراسة مشروع التعديلات، التي يُتوقع أن تطال أيضًا جرائم اختطاف القصّر والتنكيل بهم.
أرقام متضاربة وخسائر فادحة
لم تنشر السلطات حصيلة شاملة للضحايا، إذ اقتصرت الأرقام الرسمية الصادرة في 26 أوت على 12 وفاة و54 إصابة نُقلت إلى المستشفيات، في حين تحدثت مصادر موثوقة عن حصيلة أكبر بكثير، تجاوزت السبعين وفاة في بلدية واحدة فقط. وكانت حرائق سابقة في جويلية قد أودت بحياة ستة أشخاص في المنطقة نفسها. وفيما ربطت السلطات حرائق الصيف بموجة الحر وتغيّر المناخ، ذهب الرئيس تبون إلى تحميل "عناصر إجرامية" تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد المسؤولية عمّا جرى.
اعتقالات بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام
بين 26 جويلية و10 سبتمبرً، أعلنت السلطات توقيف 20 شخصًا للتحقيق معهم بتهم متصلة بإشعال الحرائق وبتهمة "التخريب" المرتبطة بالإرهاب، والتي تستوجب عقوبة الإعدام إلزاميًا. ووفق ما ذكرته السلطات، يُنسب أحد الموقوفين إلى حركة تقرير المصير في منطقة القبائل، وهي حركة معارضة سياسية تصنّفها الجزائر رسميًا "منظمة إرهابية".
سابقة 2021 تثير القلق
هذا ليس أول استخدام لحرائق الغابات كذريعة للتشديد الأمني والقضائي. فبعد حرائق أوت 2021 التي خلّفت ما لا يقل عن 90 قتيلاً في الشمال الشرقي، وجّهت السلطات الاتهام إلى جماعات معارضة، وعلى رأسها حركة تقرير المصير في منطقة القبائل، وحاكمت عشرات الأشخاص بتهم إرهابية وأخرى خطيرة. وفي نوفمبر 2022، أصدرت محكمة أحكامًا بالإعدام بحق 56 شخصًا في محاكمة جماعية شابتها خروقات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة وادعاءات تعذيب لم يُحقَّق فيها، وكان عشرة منهم على الأقل قد حُكم عليهم استنادًا إلى انتماءاتهم السياسية.
وقد أمرت المحكمة العليا لاحقًا بإعادة المحاكمة، التي انطلقت في مارس 2026. كما لجأت المحاكم منذ 2021 إلى تهم مشابهة ذات دوافع سياسية في قضيتين أخريين لا صلة لهما بالحرائق، لملاحقة نشطاء سلميين.
موقف العفو الدولية
الباحثة المعنية بشؤون الجزائر في منظمة العفو الدولية، نداج الأحمر، وصفت حجم الدمار والخسائر البشرية بأنه مأساة عميقة تستوجب استجابة عاجلة تجمع بين الوقاية والمساءلة، لكنها شددت على أن التخلي عن مسار امتد لثلاثة عقود دون تنفيذ أي إعدام يشكّل "نكوصًا شديدًا يتعارض مع احترام الحق في الحياة"، ويتناقض مع التزامات الجزائر الدولية ومواقفها المعلنة الداعمة لقرارات الأمم المتحدة بشأن وقف تنفيذ الإعدامات تمهيدًا لإلغائها.
وترى المنظمة أن المساءلة عن الخسائر البشرية لا يمكن اختزالها في ملاحقة المشتبه بهم في جرائم الحرق العمد وحدهم، بل تستوجب تحقيقات شاملة ومستقلة وشفافة في كل العوامل التي أدت إلى الكارثة، بما فيها احتمال تقصير المسؤولين الحكوميين في الوقاية والتأهب والاستجابة، على أن يُحاكَم من تثبت مسؤوليته الجنائية في إجراءات عادلة بعيدًا عن عقوبة الإعدام، مع ضمان حصول الناجين وذوي الضحايا على معلومات دقيقة وسريعة. وأفادت المنظمة بأنها أطلعت السلطات الجزائرية على مخاوفها وتوصياتها في 7 سبتمبر/أيلول، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى نشر بيانها.
الإطار القانوني والدولي
بموجب القانون الجزائري الحالي، تتراوح عقوبة الحريق العمد بين السجن ثلاث سنوات والسجن المؤبد، وقد تصل إلى الإعدام إذا نجم عن الحريق وفاة. ورغم عدم تنفيذ أي إعدام في الجزائر منذ 1993، لا تزال المحاكم تصدر أحكامًا بالإعدام، غالبًا في قضايا القتل العمد، وسبق أن وسّعت السلطات في جويلية/تموز 2025 نطاق هذه العقوبة لتشمل جرائم مخدرات معينة. والجزائر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحصر تطبيق عقوبة الإعدام في "أشد الجرائم خطورة" ويجعل من إلغائها هدفًا عامًا للدول التي ما زالت تحتفظ بها.
وتذكّر اللجنة الأممية المعنية بحقوق الإنسان بأنه لا يجوز للدول الأطراف تجريم أفعال جديدة بعقوبة الإعدام بعد التصديق على العهد. وتعارض منظمة العفو الدولية عقوبة الإعدام في كل الحالات ودون أي استثناء، باعتبارها انتهاكًا للحق في الحياة وأقسى صور العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة، دون أن يكون لها أثر رادع مثبت للجريمة.
حكيم ش



تعليقات