top of page

الجزائر في بيان صندوق النقد الدولي 2026 : نموٌّ مرتفع فوق أرضية مالية هشة

  • 8 يوليو
  • 3 دقيقة قراءة

الجزائر في بيان صندوق النقد الدولي لسنة 2026 تبدو بلداً يعيش مفارقة اقتصادية صارخة: نمو مرتفع في الأجل القصير، يقابله تدهور بنيوي في المؤشرات الأساسية التي تحدد صحة الاقتصاد على المدى المتوسط والبعيد. فارتفاع أسعار المحروقات، المدفوع بالظرف الجيوسياسي الدولي، يمنح الجزائر دفعة مؤقتة في الإيرادات والنمو، لكنه لا يخفي هشاشة مالية تتعمق عاماً بعد عام.


يشير البيان إلى أن النمو سيظل قوياً في 2026، لكن الصندوق يوضح أن هذا النمو ليس نتاج ديناميكية داخلية أو إصلاحات هيكلية، بل نتيجة ظرف خارجي قابل للتغيّر في أي لحظة. بمعنى آخر، النمو الجزائري اليوم يشبه واجهة لامعة تخفي وراءها بنية اقتصادية غير مستقرة، تعتمد على المحروقات أكثر مما تعتمد على الإنتاجية أو القطاع الخاص.


التضخم كان أول مؤشر يقرع ناقوس الخطر. فقد ارتفع بشكل ملحوظ منذ نهاية 2025، ليس فقط بسبب الغذاء كما هو معتاد، بل أيضاً بسبب ارتفاع أسعار المعادن الثمينة، وهو ما يعكس اضطراباً في السوق الداخلية وضعفاً في قدرة السياسة النقدية على احتواء الصدمات. هذا التضخم، كما يلمّح الصندوق، ليس عابراً، بل مرتبط بخيارات مالية توسعية غير محسوبة.


العجز المالي، رغم انخفاضه إلى 10.5% من الناتج، يبقى مرتفعاً جداً وفق المعايير الدولية. الأخطر هو ارتفاع الدين العام إلى 52.1%، وهو مستوى غير مسبوق منذ 2017. الصندوق يربط هذا مباشرة باللجوء إلى التمويل النقدي، أي طبع النقود، وهو ما سبق التحذير منه في النقاشات المتعلقة بقانون المالية 2026، خصوصاً بعد رفع سقف اقتراض الخزينة من البنك المركزي وتمديد آجال السداد دون تحديد تاريخ نهائي. هذه الإجراءات، كما يقول الصندوق، تقوّض مصداقية السياسة الاقتصادية وتضعف استقلالية البنك المركزي، وهو ما يشكل خطراً على استقرار الأسعار.


الحساب الجاري بدوره عرف تدهوراً كبيراً في 2025، نتيجة ارتفاع الواردات بسبب استثمارات حكومية ضخمة، وليس بسبب القطاع الخاص كما يُشاع. تزامن ذلك مع انخفاض صادرات المحروقات، ما أدى إلى تراجع حاد في احتياطي الصرف. هذه النقطة بالذات تكشف أن الإنفاق العمومي الضخم لم يكن موجهاً نحو خلق قيمة اقتصادية مستدامة، بل نحو مشاريع ذات أثر محدود على الإنتاجية.


الصندوق يحدد ثلاثة مخاطر بنيوية تهدد الاقتصاد الجزائري: تقلب أسعار المحروقات، استمرار العجز المالي المرتفع، والترابط المالي بين الدولة والبنوك العمومية. هذا الترابط يجعل البنوك العمومية في وضع هش، لأنها تموّل المؤسسات العمومية وهيئات تشغيل الشباب بأوامر سياسية لا تستند إلى تقييم المخاطر، ما يضعف القطاع البنكي ويجعله عرضة لأي أزمة مالية حكومية.


التمويل النقدي هو الخطر الأكبر الذي يشير إليه البيان بوضوح. فالصندوق يحذّر من أن الاعتماد عليه يهدد استقرار الأسعار ويقوّض استقلالية البنك المركزي، ما يعني أن الجزائر تقترب من نموذج «التمويل غير التقليدي» الذي عاشته بين 2017 و2019، والذي خلّف تضخماً كبيراً وتآكلاً في الاحتياطي.


أمام هذا الوضع، يقدّم الصندوق مجموعة توصيات تبدو كبرنامج إصلاحات مؤجل منذ عقد كامل: ضبط مالي كبير وترشيد النفقات، زيادة الإيرادات خارج المحروقات، توسيع الوعاء الضريبي، تسريع التحول الرقمي لمحاربة الاقتصاد الموازي، إصلاح نظام الدعم، إعطاء مرونة أكبر لسعر الصرف، تعزيز دور القطاع الخاص، وتقوية استقلالية البنك المركزي. هذه التوصيات ليست جديدة، لكنها تأتي هذه المرة بنبرة أكثر صراحة وقلقاً، ما يعكس حجم المخاطر التي يراها الصندوق في المسار الاقتصادي الحالي.


في النهاية، يظهر بيان صندوق النقد الدولي لسنة 2026 كوثيقة سياسية واقتصادية بامتياز، تقول بوضوح إن الجزائر تقف أمام مفترق طرق. فإما أن تتجه نحو ضبط مالي وإصلاحات هيكلية تعيد بناء الثقة في سياستها الاقتصادية، أو تستمر في الانزلاق نحو اقتصاد غير مستقر يعتمد على المحروقات والتمويل النقدي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الأسعار، الاحتياطي، والقطاع البنكي. البيان ليس مجرد تقييم تقني، بل تحذير صريح من أن النمو الحالي يخفي هشاشة قد تتحول إلى أزمة إذا لم تُتخذ قرارات جريئة في الوقت المناسب.


نسرين ج




تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page