بين "الترحيب بالمعارضين" في الخارج وتأييد سجنهم في الداخل... تصريحات تبون تصطدم بواقع المحاكم
- قبل 4 أيام
- 3 دقيقة قراءة

أثار تأييد مجلس قضاء الجزائر العاصمة، صباح يوم الثلاثاء، الحكم الصادر ضد المناضل السياسي فتحي غراس، المنسق الوطني لحزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية (الأمدياس)، بالسجن سنتين نافذتين وغرامة مالية قدرها 300 ألف دينار، موجة واسعة من ردود الفعل الحزبية والنقابية والحقوقية، جاءت جميعها لتُبرز التناقض بين دعوات الانفتاح السياسي التي أطلقها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مؤخراً من برلين، وواقع الملاحقات القضائية المستمرة بحق المعارضين داخل البلاد.
القضية تحوّلت إلى اختبار سياسي واسع بين خطاب الانفتاح الذي تعلن عنه السلطة، وبين واقع الملاحقات القضائية الذي يصفه الفاعلون السياسيون والنقابيون والحقوقيون بأنه يتناقض جذرياً مع تلك الوعود. جميع ردود الفعل، رغم اختلاف خلفياتها، التقت حول فكرة واحدة: حكم فتحي غراس أصبح رمزاً لانسداد سياسي متواصل.
حزب العمال: تضامن كامل ودعوة لتدابير تهدئة
في بيان صادر عنه، أعرب حزب العمال عن تضامنه التام مع فتحي غراس، مؤكداً تمسكه بالحريات الديمقراطية، ودعا إلى الشروع في تدابير تهدئة تبدأ بالإفراج عن جميع معتقلي الرأي، ووقف الإجراءات التي تُقيّد الحريات وتُحوّل النشاط السياسي إلى قضايا أمام المحاكم. واعتبر الحزب أن الجزائر، في ظل مرحلة سياسية دقيقة تشهدها المنطقة والعالم، هي بأمس الحاجة إلى الحرية والحوار والانفتاح السياسي والإعلامي لإيجاد حلول جزائرية للتحديات الداخلية والخارجية.
جيل جديد: من التقصير إلى القمع... تناقض بين الأقوال والأفعال
من جهته، اعتبر حزب جيل جديد، في مقال منشور باسم رئيسه الدكتور لخضر عمقران، أن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح دون علاقة ثقة متينة بين الدولة والمواطن، مشدداً على أن هذه الثقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالانسجام بين القول والفعل واحترام الحقوق والحريات الدستورية. وأشار الحزب إلى أن دعوة رئيس الجمهورية للجزائريين في الخارج، بمن فيهم المعارضون، للعودة والمشاركة في النقاش العام، فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها أمام تصاعد الاعتقالات والأحكام القضائية والقيود على الحريات الفردية، مستحضراً في هذا السياق ملف الصحفي مراد آيت مامر الموقوف دون محاكمة، ومنع الكاتب مصطفى بن فضيل من مغادرة التراب الوطني، إلى جانب تأييد الحكم بحق فتحي غراس، بوصفها مؤشرات على استمرار مقاربة تُقاضي الرأي السياسي بدل احتضانه.
الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة: استنكار شديد ومطالب واضحة
بدورها، استنكرت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة بشدة قرار تأييد الحكم، معلنة تضامنها الكامل وغير المشروط مع فتحي غراس ومع مناضلي حزبه، الذي يخضع بدوره لتجميد نشاطه وإغلاق مقراته. وذكّرت الكنفدرالية بأن عدداً من قياداتها اضطروا لمغادرة البلاد بسبب الملاحقات المرتبطة بنشاطهم النقابي، معتبرة أن دعوات العودة لن تطمئن أحداً ما لم تتحول إلى ضمانات قانونية وقضائية فعلية. وطالبت المنظمة النقابية بوقف المتابعات المرتبطة بالتعبير السياسي السلمي، ورفع القيود عن حزب الأمدياس، والإفراج عن معتقلي الرأي.
محمود رشيدي: "عتبة الاستبداد" وقرار "جائر" يستوجب النقض
أما منسق حزب العمال الاشتراكي (المحظور)، محمود رشيدي، فاعتبر أن تأييد الحكم الصادر عن محكمة حسين داي في أكتوبر الماضي يُشكّل دليلاً على ما وصفه بالتعسف السياسي، معتبراً أن الحكم يُجرّم حرية التعبير والمعارضة، ومتسائلاً عما إذا كانت السلطة قد تجاوزت "عتبة الاستبداد" بدل فتح أبواب الحريات. وطالب المحكمة العليا بنقض القرار عاجلاً وإعادة المحاكمة، معبراً عن تضامنه المتجدد مع غراس وزوجته مسعودة شبالة.
كريم طابو: "فن الجرأة" في الخطاب المزدوج و"عدالة انتقائية"
في مقاله السياسي الأسبوعي المعتاد، الذي نشره عقب توقيعه الإجباري على سجل الرقابة القضائية يوم الاثنين، اعتبر المعارض السياسي كريم طابو أن تصريحات رئيس الجمهورية من برلين حول الترحيب بعودة المعارضين تتناقض جوهرياً مع إنكار السلطات الرسمي لوجود معتقلي رأي، في وقت لا يزال فيه المئات رهن الاعتقال بتهم مرتبطة بالتعبير عن آرائهم السياسية.
وربط طابو هذا الخطاب بسياق أوسع، مستحضراً حل الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وتجمع "راج"، ومحاولات حل النقابة المستقلة "كنابست"، إلى جانب إغلاق مقرات حزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية، معتبراً أن هذه الإجراءات أفرغت الفضاء العام من إمكانية النقاش والتعددية الحقيقية.
كما شكّك طابو في مصداقية الدعوة إلى "معارضة إيجابية وبناءة"، متحدياً السلطات علناً بأن تُبرز تصريحاً واحداً لأي من المعتقلين الحاليين يرقى إلى السب أو القذف بدل كونه تعبيراً سياسياً مشروعاً. وأورد قائمة من أسماء معتقلين ونشطاء، من بينهم أميرة مخناش وحسن بوراس وعبد الوكيل بلام وآخرون، معتبراً أن ما يجمعهم هو مطالبتهم بالسيادة الشعبية في سياق حراك 2019.
وانتقد طابو أيضاً ما وصفه بـ"العدالة الانتقائية"، مشيراً إلى غياب أي متابعة قضائية لتصريحات علنية صادرة عن مسؤولين حول ملفات فساد ومخالفات إدارية، في مقابل صرامة التعامل مع نشطاء المعارضة، مستحضراً في هذا السياق الجدل الذي طال رئيسة الهلال الأحمر الجزائري. واختتم مقاله بالتأكيد على أن الأزمة الحقيقية ليست في الأشخاص، بل في نظام سياسي يخلط – بحسب تعبيره – بين الدولة والسلطة، داعياً إلى مؤسسات مستقلة وقضاء حر وصحافة حرة.
يأتي هذا الحكم بعد أيام من تصريحات علنية لرئيس الجمهورية من برلين، أكد فيها أن المعارضين مرحب بهم في الجزائر، وأن لكل جزائري الحق في الانتقاد بصفة حضارية. غير أن مجمل الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين المتفاعلين مع القضية أجمعوا على أن واقع الملاحقات القضائية بحق فتحي غراس وغيره من المعارضين يتناقض بشكل صارخ مع خطاب الانفتاح المعلن، في ظل استمرار تجميد نشاط حزب الحركة الديمقراطية والاجتماعية وإغلاق مقراته منذ سنوات.
حاج إبراهيم



تعليقات