top of page

تعيين عسكري على رأس الإذاعة الجزائرية : قراءة في الدلالات السياسية والتحولات داخل الإعلام العمومي

  • قبل 22 ساعة
  • 2 دقيقة قراءة

أشرف وزير الاتصال محمد بوسليماني، ومستشار رئيس الجمهورية المكلف بالمديرية العامة للاتصال كمال سيدي سعيد، على مراسم تنصيب هشام علالي مديرًا عامًا جديدًا للمؤسسة العمومية للإذاعة المسموعة، خلفًا لعادل سلاقجي، وذلك بحضور المدراء العامين للمؤسسات العمومية التابعة لقطاع الإعلام والاتصال وإطارات الإذاعة الوطنية. ويُعد هشام علالي، وهو عقيد متقاعد، من المسؤولين الذين جمعوا بين التجربة العسكرية والتجربة الإعلامية، إذ سبق أن تولى مسؤولية الإعلام بمديرية الإعلام والاتصال والتوجيه التابعة لوزارة الدفاع الوطني، قبل أن يشغل مناصب داخل الإذاعة الوطنية، من بينها إدارة محطة تيبازة. بهذا التعيين، يصبح أول مسؤول ذي خلفية عسكرية يتولى رئاسة الإذاعة الجزائرية، في خطوة لم تُقدَّم بشأنها أي تفاصيل رسمية حول أسباب التغيير أو خلفياته، بينما يُنتظر أن يعلن المدير الجديد عن أولوياته خلال المرحلة المقبلة.


هذا التغيير لا يمكن قراءته بمعزل عن علاقة السلطة بالإعلام العمومي في الجزائر، وهي علاقة تقوم منذ عقود على اعتبار الإعلام امتدادًا وظيفيًا للدولة، لا فضاءً مستقلاً لإنتاج المعرفة أو النقاش العام. فالإعلام العمومي ظلّ أداة مركزية لضبط السردية الرسمية وتوجيه الرأي العام، وتحييد الأصوات التي قد تُحدث ارتباكًا في لحظات سياسية حساسة. وبعد الحراك الشعبي وما تلاه من إعادة ترتيب للمشهد السياسي، اتجهت السلطة إلى تشديد الانضباط داخل المؤسسات الإعلامية العمومية عبر تغييرات متكررة في القيادات، وتقليص هامش المبادرة التحريرية، وتوحيد الخطاب حول رؤية الدولة للمرحلة.


في هذا السياق، يصبح اللجوء إلى كوادر عسكرية في قيادة مؤسسات إعلامية خيارًا مفهومًا بالنسبة للسلطة، إذ تبحث الأنظمة عادةً عن الانضباط التنظيمي داخل مؤسسات تُعدّ حساسة من حيث الرسائل التي تبثّها للجمهور. الكوادر العسكرية معتادة على التسلسل الهرمي، تنفيذ التعليمات، وتفادي الارتباك، وهو ما يضمن عدم حدوث مفاجآت تحريرية أو خروج غير محسوب عن الخط الرسمي. كما يُنظر إلى المسؤول القادم من المؤسسة العسكرية باعتباره شخصية موثوقة وذات التزام مؤسسي قوي، خصوصًا في الأنظمة التي تشكّ في قدرة القيادات المدنية على ضبط المؤسسة أو في ولاء بعض النخب الإعلامية. إضافة إلى ذلك، فإن الملفات المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية والأزمات تُعدّ شديدة الحساسية بالنسبة للدولة، وتفضّل أن تُدار بمنطق أمن المعلومات أكثر من منطق الصحافة.


هذا النوع من التعيينات ينعكس مباشرة على الخط التحريري للإذاعة الوطنية. فالخطاب يصبح أكثر توحيدًا حول السردية الرسمية، مع تقليص المساحات التي تسمح بالتحليل أو الجدل السياسي. البرامج الحوارية تُضبط بشكل أكبر، ويُفضَّل فيها حضور الأصوات المتوافقة مع توجهات الدولة، بينما يتراجع حضور الأصوات النقدية أو المستقلة. كما يميل المحتوى إلى لغة مؤسساتية تُقدّم الدولة باعتبارها الفاعل المركزي في كل الملفات، وتُقلّص من حضور المجتمع المدني أو الفاعلين السياسيين خارج الدائرة الرسمية. لا يؤدي هذا التغيير إلى عسكرة المحتوى، بل إلى عسكرة القرار التحريري: أي تحويل الإذاعة إلى جهاز يشتغل بمنطق الانضباط والولاء أكثر مما يشتغل بمنطق الصحافة.


حكيم ش


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page