top of page

تقرير البنك الدولي يكشف الثمن الإنساني لحرائق الغابات في الجزائر

  • 4 يوليو
  • 3 دقيقة قراءة

كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي بعنوان "من النار إلى الصمود: إعادة التفكير في كيفية إدارة الجزائر لغاباتها"، عن حجم الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة التي خلّفتها حرائق الغابات في الجزائر خلال العقود الأخيرة، في وقت يتصاعد فيه القلق من تفاقم هذه الظاهرة بفعل التغير المناخي، وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع على حاله سيهدد بشكل مباشر حق آلاف العائلات في السكن الآمن ومصدر رزقها.


يستحضر التقرير صيف 2021 الأسود، حين اجتاحت النيران هضاب شمال شرق البلاد، وتحديدًا في ولايات بجاية، الطارف وتيزي وزو، بسرعة وضراوة فاقتا قدرة السكان ورجال الحماية المدنية على الاستيعاب. وأودت تلك الحرائق بحياة أكثر من 100 شخص، فيما تجاوزت الأضرار التي لحقت بالقطاعين الزراعي والسكني وحده 124 مليون دولار. وخلال أيام معدودة، اختفت غابات كانت لعقود مصدر عيش لعائلات بأكملها، توفر لها المرعى والمأوى وتحمي مواردها المائية.


أرقام تكشف أزمة ممتدة منذ عقود


ووفق معطيات البنك الدولي، سجّلت الجزائر أكثر من 75 ألف حريق غابات بين عامي 1985 و2022، باحتراق متوسطه السنوي نحو 35 ألف هكتار، أي ما يعادل مساحة 50 ألف ملعب كرة قدم. ولم يقتصر التغيّر، بحسب التقرير، على تواتر الحرائق فحسب، بل امتد إلى شدتها، إذ ساهمت موجات الجفاف الطويلة وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأراضي في ظهور "حرائق عملاقة" أسرع انتشارًا وأعلى حرارة وأشد تدميرًا، في اتجاه لا يبدو أنه سيتباطأ قريبًا.


ضحايا صامتون: فلاحون ورعاة ونحّالون


ووراء هذه الأرقام الجافة، يشير التقرير إلى وجه إنساني للمأساة، إذ فقد فلاحون ورعاة ونحّالون وعائلات بأكملها مصدر رزقها بين ليلة وضحاها، فضلًا عن دمار طال الموائل البرية. ولا يتوقف الأثر عند الخسارة المباشرة، إذ يحذر التقرير من أن تدمير الغابات يُضعف وظائف الأحواض المائية الحيوية، ويقلّص قدرة المناطق المتضررة على تنظيم المياه وتخزينها، بتداعيات قد تمتد لسنوات، وهو ما يهدد بشكل غير مباشر الأمن الغذائي والمائي لسكان هذه المناطق.


من "إطفاء الحرائق" إلى "إدارة المخاطر"


وأكدت ماريا سرّاف، مديرة ممارسات البيئة في البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، أن معالجة حرائق الغابات في الجزائر تستوجب الانتقال من الاستجابة الآنية إلى الوقاية وإدارة مستدامة للمساحات الطبيعية، مشددة على أن حماية الغابات "أمر حاسم لصون التنوع البيولوجي والأمن المائي وسبل عيش السكان المعتمدين عليها".


وفي هذا الإطار، أجرت الحكومة الجزائرية بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي تشخيصًا شاملاً لقطاع الغابات، كشف عن ثغرات بنيوية عدة: تقادم مخططات التسيير، عدم اكتمال تحديد حدود الأملاك الغابية بما يعرّضها للتعدي والاستغلال المتنازع عليه، تشتت أنظمة المعطيات، إضافة إلى ضعف التنسيق بين المؤسسات، وممارسات مثل الرعي الجائر وإزالة الأراضي التي تفاقم من هشاشة الغابات أمام الحرائق.


بجاية.. مختبر تجريبي لمواجهة المستقبل


وتحتل ولاية بجاية موقع الولاية الثانية الأكثر تضررًا من حرائق الغابات على المستوى الوطني، بعدما سُجّل فيها نحو 5300 حريق أتت على أكثر من 144 ألف هكتار بين 1985 و2022. وتشهد الولاية حاليًا تجربة رائدة لتطوير أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة السريعة، تشمل استثمارات في الكاميرات والطائرات المسيّرة ومسالك الوصول وشبكات المياه، تمهيدًا لتعميمها على مستوى الوطن.


وفي السياق ذاته، اعتبر البروفيسور حميد عفرة، المندوب الوطني للمخاطر الكبرى بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، أن إدارة مخاطر حرائق الغابات في الجزائر تتجه نحو نموذج أكثر تكاملاً واستباقية، يمنح الأولوية للوقاية والتأهب بدل الاكتفاء بالاستجابة وقت الأزمة.


حق العيش الكريم مرهون بحماية الغابات


ويربط التقرير بين معالجة أزمة الحرائق وتحسين الاقتصاد الغابي، معتبرًا أن تدهور الغابات وضعف استغلالها يرفعان من مخاطر اشتعالها، في حين أن استثمار الجزائر في منتجات غير خشبية كالفلين والراتنج والزيوت العطرية والنباتات الطبية، إلى جانب السياحة البيئية، يمكن أن يخلق فرص عمل ودخلًا يحفّز المجتمعات المحلية على حماية محيطها الغابي بدل استنزافه.


كما شدد التقرير على أهمية إشراك الشباب والبلديات في جهود الوقاية، باعتبار ذلك سبيلاً مزدوجًا لمعالجة البطالة وبناء جيل جديد من حراس الغابات.


تحول تشريعي.. لكن التحدي أكبر من القوانين


وعلى الصعيد التشريعي، يسجل التقرير خطوات إيجابية تمثلت في اعتماد قانون الغابات لسنة 2023 وقانون التسيير المندمج للكوارث لسنة 2024، بوصفهما خطوتين مهمتين نحو تعزيز حوكمة مخاطر الحرائق وتشجيع الاستثمار الخاص ومشاركة المجتمعات المحلية في تسيير الغابات.


وفي تصريح ختامي، قالت سيميل حاجي بيوغلو جيرين، الممثلة المقيمة للبنك الدولي في الجزائر، إن ما تشهده الجزائر اليوم هو إدراك متنامٍ بأن حرائق الغابات لم تعد مجرد قضية بيئية، بل تحدٍّ تنموي شامل، مؤكدة أن دعم هذه الجهود يعني المساهمة في بناء أنظمة قادرة على حماية الإنسان والموارد الطبيعية معًا في السنوات المقبلة.


ورغم التسليم بأن حرائق الغابات لا يمكن القضاء عليها كليًا، يخلص التقرير إلى أن الاستثمار الصحيح ودعم المؤسسات والمجتمعات المحلية كفيلان بالتخفيف بشكل كبير من آثارها، لتتحول غابات الجزائر من عنصر هشاشة إلى ركيزة لمستقبل أكثر مناعة أمام تحديات المناخ.



حاج إبراهيم

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page