قراءة في غياب الجزائر عن جنازة خامنئي وسردية سياستها الخارجية
- 6 يوليو
- 3 دقيقة قراءة

تثير السياسة الخارجية الجزائرية أسئلة متكررة حول سبب تفاعلها القوي مع بعض الأزمات السياسية، مقابل صمت أو حياد لافت في أزمات أخرى. هذا التفاوت لا يعكس تناقضًا بقدر ما يعكس بنية دبلوماسية قائمة على الانتقائية المحسوبة، حيث تتداخل العقيدة التاريخية مع الحسابات الأمنية والاقتصادية والإقليمية، إضافة إلى اعتبارات داخلية لا تقل تأثيرًا. فمنذ السبعينيات، تبنّت الجزائر عقيدة دبلوماسية واضحة تقوم على رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتجنّب الاصطفاف في المحاور، ودعم القضايا ذات الحمولة التحررية مثل فلسطين والصحراء الغربية. هذه المبادئ ليست مجرد شعارات؛ إنها إطار يحدد متى تتدخل الجزائر ومتى تلتزم الصمت، إذ تدفع الأزمات التي تمسّ هذه العقيدة مباشرة إلى اتخاذ مواقف صلبة، بينما تُواجه الأزمات التي قد تُفهم كاصطفاف أو انحياز بحذر شديد.
في هذا السياق، جاء غياب الجزائر عن جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي ليكشف جانبًا من هذه الانتقائية ويحوّله إلى مادة سجالية واسعة. فقد أثار القرار موجة تعليقات حادة في الفضاء العام، بعضها اتخذ شكل رسائل مختصرة لكنها مشحونة بالدلالات السياسية والرمزية. خلف هذا الجدل السريع تكمن أسئلة أعمق حول موقع الجزائر في شبكة التحالفات الإقليمية، وكيف تُقرأ الإشارات البروتوكولية في لحظات حساسة مثل وفاة شخصية محورية في النظام الإيراني. بدأت المواكب الكبرى في الثالث من الشهر الجاري بتجمعات حاشدة ووصول مشاركين أجانب، وحضر الجنازة مئات الآلاف من الأتباع، حيث سهّلت الحكومة الإيرانية الحدث بتوفير وسائل النقل والطعام والإقامة، ما جعل المناسبة حدثًا سياسيًا ودينيًا ضخمًا تجاوز حدود إيران نفسها.
بالنسبة لمنتقدي القرار، الامتناع عن إرسال ممثل رسمي — ولو بصفة دينية أو بروتوكولية — بدا وكأنه خروج غير مبرر عن تقليد دبلوماسي تتبعه دول مسلمة مختلفة، بينها السعودية وتونس، اللتان اختارتا حضورًا رمزيًا لا يورّطهما سياسيًا لكنه يحفظ الحد الأدنى من اللياقة الدولية. الإشارة إلى عميد جامع الجزائر، الذي سبق أن استقبل البابا، ليست تفصيلاً عابرًا: إنها محاولة لإبراز أن الجزائر تمتلك شخصيات قادرة على أداء هذا النوع من المهام دون أن يُفهم ذلك كاصطفاف سياسي أو تبنٍّ لموقف إيديولوجي.
هذا الخطاب يعكس قراءة شعبية ترى في البروتوكول أكثر من مجرد شكليات. فالغياب ليس قرارًا تقنيًا بل علامة على تراجع وزن الجزائر في محيطها، لكن قراءة أخرى ممكنة. فالجزائر، التي تحرص منذ سنوات على تجنّب الاصطفاف في الصراعات الإقليمية، قد تكون فضّلت عدم الظهور في مناسبة ذات حمولة سياسية عالية، خصوصًا في ظل التوترات بين إيران وعدد من القوى الخليجية، ومع استمرار حساسيات مرتبطة بالملفات الإقليمية من اليمن إلى سوريا. كما أن العلاقات الجزائرية–الإيرانية، رغم وجود تعاون في بعض المجالات، لم تصل يومًا إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الذي يفرض حضورًا بروتوكوليًا ثقيلًا.
العامل الأمني بدوره يلعب دورًا مركزيًا في رسم حدود هذا الحضور الدبلوماسي. الجزائر تتحرك بسرعة في الملفات التي تمسّ أمنها القومي المباشر: ليبيا، الساحل، تونس، مكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية. هذه مناطق تماس جغرافي وسياسي، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الداخل الجزائري. في المقابل، تتعامل الدولة ببرود مع أزمات بعيدة جغرافيًا أو ذات طابع طائفي معقد، مثل اليمن أو سوريا أو التوترات الخليجية–الإيرانية، حيث لا يشكل التدخل فيها مكسبًا واضحًا ولا تهديدًا مباشرًا. وإلى جانب ذلك، تسعى الجزائر إلى الحفاظ على توازنات دقيقة مع قوى إقليمية ودولية متعددة: الخليج، إيران، تركيا، أوروبا، الصين، وروسيا. هذا التوازن يجعل أي موقف حاد في أزمة معينة قابلًا للتأويل كميل نحو محور معين، وهو ما تحرص الجزائر على تجنّبه. لذلك قد تغيب عن حدث ذي رمزية سياسية عالية، أو تكتفي بحضور بروتوكولي منخفض، أو تختار الصمت بدل الانخراط في سجالات إقليمية.
الاعتبارات الداخلية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. بعض الأزمات تُقرأ داخليًا كقضايا رأي عام أو رمزية وطنية، فتتفاعل معها الدولة بقوة، مثل فلسطين أو الساحل. أزمات أخرى لا تحمل وزنًا شعبيًا، أو قد تثير حساسيات سياسية داخلية، فتُترك في مستوى منخفض من الاهتمام. هذا يفسر لماذا قد يثير غياب الجزائر عن حدث خارجي انتقادات شعبية، بينما تعتبره السلطة مجرد قرار بروتوكولي لا يستحق التفسير. وفي كل الحالات، يبقى غياب التفسير الرسمي عاملًا يزيد من حساسية الرأي العام، ويحوّل كل إشارة بروتوكولية إلى مادة سجالية.
بين القراءتين المتناقضتين لغياب الجزائر عن جنازة خامنئي، يظهر أن الجدل لا يتعلق بإيران بقدر ما يتعلق بالجزائر نفسها: كيف تريد أن تُرى؟ هل كدولة محافظة على مسافة واحدة من الجميع، أم كفاعل يلتقط الإشارات الرمزية ويستثمرها لتعزيز حضوره؟ في عالم تُقاس فيه القوة أحيانًا بالصور أكثر مما تُقاس بالبيانات، يصبح قرار الحضور أو الغياب جزءًا من سردية الدولة عن نفسها. الرسالة المتداولة تكشف حساسية الرأي العام تجاه هذه السردية، وتُظهر أن جزءًا من الجزائريين يطالب بسياسة خارجية أكثر حضورًا، أو على الأقل أكثر انسجامًا مع ما يعتبرونه « هيبة الدولة ». أما السلطة، فربما ترى أن الحياد الصارم هو أفضل ضمانة لعدم الانجرار إلى محاور متصارعة.
في النهاية، انتقائية السياسة الخارجية الجزائرية ليست علامة ضعف أو ارتباك، بل تعبير عن براغماتية تسعى إلى حماية استقلالية القرار الوطني في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. غير أن هذا النهج يطرح تحديًا واضحًا: الحاجة إلى تواصل دبلوماسي أكثر شفافية يشرح خلفيات القرارات، ويمنع تركها عرضة للتأويلات أو القراءات الانفعالية. فغياب التفسير الرسمي يجعل كل حضور أو غياب قابلًا للتحول إلى قضية رأي عام، ويزيد من حساسية النقاش حول موقع الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي.
حكيم ش



تعليقات