لماذا يسعى النظام الجزائري إلى برلمان "نظيف، ثلاث سنوات قبيل نهاية عهدة تبون؟
- قبل 5 دقائق
- 3 دقيقة قراءة

في الأسابيع القليلة التي تسبق تشريعيات 2 جويلية 2026، تحوّلت مرحلة دراسة الملفات الانتخابية إلى بؤرة جدل سياسي وقانوني غير مسبوق.
في غضون أسابيع قليلة تفصل الجزائر عن تشريعيات 2 جويلية 2026، تحوّلت مرحلة دراسة الملفات الانتخابية إلى مسرح لجدل سياسي وقانوني غير مسبوق. طالت قرارات الإقصاء منتخبين حاليين وسابقين، بينهم نواب في البرلمان ورؤساء مجالس بلدية وولائية، إضافة إلى شخصيات محلية كانت أحزابها تراهن عليها في الاستحقاق المقبل. غير أن اللافت في هذا المشهد لا يتعلق فقط بحجم الإقصاءات، بل بما تكشفه من رؤية يبدو أن السلطة عازمة على تجسيدها: استحداث مجلس تشريعي منقّى من أصحاب العلاقات المالية المشبوهة، في لحظة سياسية حساسة تسبق استحقاقات أثقل وزناً.
•السلاح القانوني : المادة 200 بندها السابع
تنص المادة 200 في بندها السابع على أن لا يكون المترشح معروفاً لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية. هذا النص الذي كان حاضراً في المنظومة الانتخابية دون توظيف واسع، يُفعَّل اليوم بزخم لم يسبق له مثيل، في ظل تساؤلات متصاعدة حول مدى انسجامه مع مبدأ قرينة البراءة وضمان الحقوق السياسية للمواطنين، بعد تسجيل حالات إقصاء على خلفية ما يوصف بـ"شبهات" دون صدور أحكام قضائية نهائية.
والأخطر أن الإقصاءات لم تقتصر على مبرر واحد، إذ كشفت أحزاب عدة أن من بين المسوّغات المستخدمة تقارير أمنية سلبية غير مُفصَّلة، وتصرفات "منافية للسلوك الحضاري" دون توضيح، وصلة قرابة بشخص صدر في حقه حكم بالبراءة. وهي مبررات يرى المنتقدون أنها تحوّل السلطة الإدارية إلى جهة قضائية بصلاحيات استثنائية.
•أصوات الاحتجاج: من الموالاة إلى المعارضة
ما يجعل هذه الإقصاءات أكثر إثارة للتأمل هو أن الأصوات الناقدة لا تصدر فحسب عن أحزاب معارضة تاريخية، بل تمتد إلى تشكيلات مشاركة فعلياً في بناء البرلمان القائم.
حذّرت حركة مجتمع السلم، وهي من أحزاب الغالبية البرلمانية، من "هندسة مسبقة" للمشهد الانتخابي، ووصفت قرارات الإقصاء بأنها تستند إلى تفسيرات إدارية وتأويلات تقديرية لا ترتكز على أحكام قضائية نهائية، مطالبةً السلطات العليا بتدخل عاجل لتدارك ما وصفته بـ"الاختلالات". وفي وهران تحديداً، أُسقط ستة مترشحين من قائمة الحركة دفعةً واحدة، بينهم رئيس البلدية ونائب برلماني حالي.
على الطرف الآخر، وصف الأفافاس ما يجري بـ"إقصاء سياسي ممنهج"، مؤكداً أن المستهدفين بالإقصاء مشهود لهم بالنزاهة، فيما اتهم حزب الأرسيدي، العائد إلى المشاركة الانتخابية بعد سنوات من المقاطعة، السلطاتِ المشرفة بالسعي إلى "صناعة نتائج مسبقة" وإقصاء أي منافسة سياسية حقيقية. حتى التجمع الوطني الديمقراطي، الحزب الموالي بامتياز، أقرّ بأن الإقصاء طال في صفوفه منتخبين ونواباً سابقين.
•التأطير القانوني: إشكالية دستورية حقيقية
يُجمع عدد من الحقوقيين والقانونيين على أن المشكلة لا تكمن في مبدأ اشتراط النزاهة، بل في آلية إثباتها. في غياب حكم قضائي بات، ومن خلال الاستناد إلى تقارير أمنية لا تخضع للطعن، يتحوّل المعيار القانوني إلى سلطة تقديرية مطلقة بيد الإدارة، مما يُثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المادة 200 في صيغتها الراهنة متوافقة أصلاً مع أحكام الدستور.
•السياق الأوسع: تعديل دستوري معلّق وتساؤلات لا إجابات عنها
لفهم دلالة ما يجري، لا يمكن تجاهل الأفق السياسي الأبعد. في نهاية عام 2025، أثار تأجيل المصادقة على مشروع تعديل الدستور تساؤلات واسعة، وسط تكهنات بأن الأمر مرتبط بتباينات داخل دوائر القرار. سارعت الرئاسة إلى نفي أي صلة للتأجيل بغياب رئيس الأركان شنقريحة عن الجلسة، مؤكدةً أن التأجيل جاء لاعتبارات تنظيمية. وحين أُفرج عن مضمون التعديل لاحقاً، خلا من أي إشارة إلى تمديد العهدة الرئاسية أو توسيعها، وإن تضمّن رفع الحظر عن شغل النواب لأكثر من عهدتين برلمانيتين، وهو ما أبدت أحزاب عدة دعمها له في السابق.
• برلمان جديد لمهمة قادمة
تتقاطع هذه المعطيات كلها عند تساؤل محوري: لماذا الإصرار على تطهير البرلمان الآن تحديداً، ومنذ مرحلة الترشيح لا بعد صناديق الاقتراع؟ الأكيد أن الرهان الآني هو بناء برلمان يحمل شرعية مكافحة الفساد سردية جديدة في لحظة يحتاج فيها النظام إلى رأسمال رمزي داخلي وخارجي. لكن ثمة بُعداً آخر يصعب إغفاله: المجلس التشريعي القادم سيظل في موقعه حتى عام 2031 على الأقل، أي أنه سيكون حاضراً وفاعلاً في أي استحقاق دستوري أو سياسي كبير قد تشهده الجزائر قبل ذلك التاريخ وبعده. وفي السياسة، نادراً ما تُبنى المؤسسات للحاضر وحده.
في المحصلة، يكشف الجدل الدائر أن التشريعيات الجزائرية المقبلة تتجاوز في دلالتها اختيار 407 نواب. إنها مرآة لمشروع سياسي تسعى السلطة إلى بنائه بعناية، مؤثِرةً أن تُحدّد وجوه برلمانها قبل أن يختارها الناخبون.
نسرين ج



تعليقات