قانون تجريم الاستعمار : 5 ملايين و630 ألف شهيد يستحقون اعترافاً رسمياً وتعويضاً
- قبل يومين
- 2 دقيقة قراءة

صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، القانون رقم 26-10 المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، ليدخل حيز التنفيذ رسمياً ويصبح مرجعاً ملزماً أمام الضبطية القضائية والقضاء. ويأتي هذا النص التشريعي ليمنح للمرة الأولى في تاريخ الجزائر المستقلة إطاراً قانونياً صريحاً لمطالب ظلت لعقود في دائرة الخطاب السياسي والدبلوماسي دون أن تتحوّل إلى التزامات قانونية مُلزِمة.
يتكوّن القانون من 21 مادة، تُصنِّف المادة الثانية منها الاستعمار الفرنسي للجزائر بين عامَي 1830 و1962 "جريمةَ دولة" تنتهك المبادئ الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية المكرَّسة في القوانين والمواثيق الوطنية والدولية، فيما تُقرِّر المادة الخامسة صراحةً أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. وتستند هذه الصياغة إلى حصيلة دموية موثَّقة؛ إذ تُعلن الرئاسة الجزائرية رسمياً أن الاستعمار أودى بحياة 5 ملايين و630 ألف شهيد منذ المقاومات الشجاعة الأولى حتى الثورة التحريرية، فيما تتجاوز بعض التقديرات الحقوقية هذا الرقم بكثير، وتحمل مجزرة الثامن من مايو 1945 وحدها في ذاكرة الشعب الجزائري أكثر من 45 ألف ضحية.
وعلى صعيد المطالب الموجَّهة إلى فرنسا، تُلزم المادة السابعة الدولةَ الفرنسية بتحمُّل المسؤولية القانونية الكاملة عن ماضيها الاستعماري، فيما تتضمن المادة التاسعة مطالب ملموسة ثلاثة: تطهير مواقع التجارب النووية والكيميائية، وتسليم خرائط الألغام المزروعة في التراب الجزائري، وتعويض ضحايا هذه التفجيرات وذويهم. وتشمل المادتان العاشرة والحادية عشرة استعادة الأموال المنهوبة من الخزينة والأرشيف الوطني الذي يعدّه القانون حقاً خالصاً للشعب الجزائري لا يقبل التنازل، واسترجاع رفات المقاومين ورموز الكفاح الوطني ودفنهم في أرض الجزائر.
وتندرج هذه المطالب في سياق مسار لم يكتمل بعد. فعلى الرغم من أن الجزائر نجحت في يوليو 2020 في استرداد 24 جمجمة لقادة المقاومة الشعبية كانت محتجزة منذ نحو 170 عاماً في متحف الإنسان بباريس، وحطّت طائرة هرقل عسكرية حاملة النعوش في مطار الجزائر الدولي باستقبال رسمي على رأسه الرئيس تبون، فإن نحو 512 رفاتاً آخر لا يزال يُقيم قسراً في متاحف فرنسية بانتظار إعادته. وقد كشف هذا الملف عن هشاشة المسار الثنائي للذاكرة؛ إذ وقّعت اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة برئاسة المؤرخ لحسن زغيدي، واللجنة الفرنسية للحقيقة والذاكرة برئاسة المؤرخ بنجامين ستورا، في مايو 2024 مذكرةً مشتركة تستهدف استرجاع الأرشيف الجزائري للحقبة الاستعمارية، غير أن القانون الجديد يُؤطِّر هذه المطالب بمنطق إلزامي لا تفاوضي.
وعلى صعيد العقوبات، تفرض المادة الرابعة عشرة السجنَ من 5 إلى 10 سنوات وغرامةً من 500 ألف إلى مليون دينار على كل من يروّج للفكر الاستعماري أو يُنكر طابعه الإجرامي، فيما تعاقب المادة الخامسة عشرة على تمجيد الاستعمار قولاً أو كتابةً أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالحبس من 3 إلى 5 سنوات، وترتفع العقوبة إلى حدّها الأقصى إذا صدر الفعل عن موظف عمومي أو داخل المؤسسات التعليمية أو عبر وسائل الإعلام وفق المادة السادسة عشرة. كما تحمي المادة الثامنة عشرة كرامةَ المناضلين الذين قاوموا الاستعمار وتجرّم الإساءة إليهم.
ويأتي صدور القانون في الجريدة الرسمية ليُحوِّله إلى نص نافذ أمام القضاء، في وقت يشهد فيه التعاون الدبلوماسي والقضائي بين الجزائر وباريس انفراجاً بعد سنتين من القطيعة الحادة. وتبقى المفارقة الكبرى أن هذا الانفراج الدبلوماسي يتزامن مع صدور نص تشريعي يُعيد رسم حدود العلاقة مع الذاكرة الاستعمارية بمنطق المساءلة القانونية والتعويض المادي، لا بمنطق التطبيع والتجاوز.
نسرين ج



تعليقات