top of page

الجريدة الرسمية : عقوبة الإعدام تدخل حيز التنفيذ بداية من الغد

قبل يومين
3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: قبل 3 ساعات

دخل التعديل الجديد لقانون العقوبات حيّز التنفيذ عقب نشره في الجريدة الرسمية، حاملاً معه واحدة من أكثر المراجعات الجنائية إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التعديل في سياق توجه رسمي نحو تشديد السياسة العقابية في مواجهة جرائم وُصفت بالبالغة الخطورة، وفي مقدمتها الاعتداءات الجسيمة ضد الأطفال وجرائم الحرائق العمدية التي تستهدف الغابات والممتلكات العامة والخاصة.


وكان البرلمان بغرفتيه قد صادق على النص الذي اقترحته الحكومة بعد أسابيع من النقاشات السياسية والقانونية، في ظل تصاعد المطالب بتشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم التي تهدد سلامة الأطفال أو تمس بالأمن البيئي والوطني. وجاءت هذه الخطوة أيضاً في أعقاب الحرائق الواسعة التي شهدتها عدة مناطق من البلاد وما خلفته من خسائر بشرية ومادية وبيئية كبيرة.


ويكرّس القانون الجديد توجهاً أكثر صرامة في حماية الأطفال، إذ ينص على عقوبة الإعدام بحق مرتكبي جرائم اختطاف الأطفال عندما تكون مصحوبة بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي أو التشويه والتنكيل بالضحية. كما استبعد المشرّع إمكانية الاستفادة من الظروف المخففة في مثل هذه القضايا، في رسالة واضحة تعكس رغبة السلطات في التعامل بأقصى درجات الحزم مع الجرائم التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.


ويرى المدافعون عن هذا التعديل أن تشديد العقوبات بات ضرورة فرضتها طبيعة بعض الجرائم التي أثارت صدمة واسعة في الرأي العام خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أن العقوبات السابقة لم تعد كافية لتحقيق الردع المطلوب. ويستند هذا الطرح إلى أن الاعتداءات الوحشية على الأطفال تمثل انتهاكاً خطيراً للقيم الاجتماعية وتهديداً مباشراً لأمن المجتمع واستقراره.


وفي الجانب المتعلق بحماية الثروة الغابية، وسّع القانون دائرة الجرائم المعاقب عليها بالإعدام لتشمل كل من يتعمد إضرام النار في الغابات والأحراش والحقول المزروعة وغير المزروعة والأشجار والأخشاب داخل المساحات الغابية. ويعكس هذا التوجه حجم القلق الرسمي من تكرار الحرائق واسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وما نجم عنها من أضرار بيئية واقتصادية وهلاك مساحات شاسعة من الغطاء النباتي.


كما يمتد التشديد العقابي إلى حالات إضرام النار في الممتلكات العامة أو الخاصة عندما تكون الأفعال مرتبطة بدولة أو جهة أجنبية، أو تقع في إطار جرائم الخيانة والتخابر أو ضمن نشاط جماعة إجرامية منظمة. وتعتبر السلطات هذه الأفعال ذات أبعاد تتجاوز الجريمة العادية إلى المساس بالأمن القومي والاستقرار العام ووحدة الدولة.


ورغم الترحيب الذي لقيه القانون لدى جزء من الرأي العام، خاصة بين المطالبين بعقوبات أكثر صرامة ضد مرتكبي الجرائم الشنيعة، فقد أعاد النص في المقابل إحياء الجدل القديم حول عقوبة الإعدام وحدود استخدامها في الأنظمة القانونية الحديثة. فبالنسبة لمناصري العقوبة، تمثل هذه الخطوة استجابة طبيعية لجرائم استثنائية ينبغي أن تواجه بردع استثنائي. أما المعارضون فيرون أن التشديد الجنائي لا يثبت دائماً فعاليته في الحد من معدلات الجريمة، وأن الأولوية يجب أن تُمنح لتعزيز آليات الوقاية والحماية وتحسين فعالية المنظومة القضائية والأمنية.


كما يثير التعديل الجديد تساؤلات تتعلق بالتزامات الجزائر الدولية في مجال حقوق الإنسان. فعلى الرغم من بقاء عقوبة الإعدام ضمن المنظومة القانونية الجزائرية منذ الاستقلال، فإن البلاد لم تنفذ أحكام إعدام منذ سنة 1993، ما شكّل عملياً حالة من التعليق الفعلي للعقوبة استمرت لأكثر من ثلاثة عقود. ويرى حقوقيون أن توسيع نطاق الجرائم المعاقب عليها بالإعدام قد يُفهم على أنه ابتعاد عن التوجه الدولي المتزايد نحو تقليص استخدام هذه العقوبة أو إلغائها بشكل كامل.


وتكمن خطورة هذا التوجه، بحسب عدد من المختصين، ليس فقط في التشدد العقابي ذاته، بل في احتمال إنهاء مرحلة التعليق الفعلي التي استمرت طويلاً. فالإعدام يظل عقوبة نهائية وغير قابلة للتصحيح في حال وقوع أخطاء قضائية، وهو ما يجعل مسألة الضمانات القانونية والمحاكمة العادلة محوراً أساسياً في أي نقاش يتعلق بإمكانية العودة إلى تنفيذ الأحكام الصادرة في هذا الإطار. وفي المقابل، تؤكد السلطات أن خطورة الجرائم المستهدفة، سواء تلك المرتبطة بالاعتداءات الوحشية ضد الأطفال أو بالأفعال التخريبية التي تهدد البيئة والأمن الوطني، تبرر اللجوء إلى أقصى العقوبات التي يتيحها القانون.


وبين من يراها خطوة ضرورية لحماية المجتمع ومن يعتبرها تراجعاً عن مسار حقوقي استمر لسنوات، يفتح التعديل الجديد لقانون العقوبات فصلاً جديداً من الجدل القانوني والسياسي في الجزائر حول التوازن بين متطلبات الردع الجنائي واحترام المبادئ والالتزامات الحقوقية الدولية.




حاج إبراهيم

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page