رسالة مفتوحة من الجالية الجزائرية إلى الرئيس تبون : "الأفعال لا الأقوال" شرط أساسي لعودة المعارضين
- قبل 3 أيام
- 3 دقيقة قراءة

في رسالة مفتوحة موجّهة إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، طالبت مجموعة من الموقّعين من مختلف الحساسيات السياسية، يقيمون في فرنسا وكندا وبلجيكا والولايات المتحدة، بترجمة تصريحاته الأخيرة بشأن الترحيب بالمعارضين إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، معتبرين أن "حب الجزائر لا يُقاس بغياب النقد".
مجموعة من الشخصيات الجزائرية في الخارج وجّهت رسالة مفتوحة للرئيس عبد المجيد تبون تطالب فيها بأن تتحوّل تصريحاته الأخيرة حول الترحيب بالمعارضين إلى خطوات عملية، مؤكّدة أن حبّ الوطن لا يعني غياب النقد بل يستلزم السماح بالتعبير الحر والمسؤول. الرسالة تعكس رغبة جزء من الجالية الجزائرية في الخارج في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمعارضين، وتدعو إلى الانتقال من الخطاب إلى الإصلاحات الفعلية.
تصريحات برلين : "مرحبًا بالمعارضين"
جاءت الرسالة ردًا على تصريحات أدلى بها الرئيس تبون يوم 16 جويلية 2026، خلال لقائه بأفراد الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا، على هامش زيارة رسمية إلى برلين. وخلال هذا اللقاء، رحّب الرئيس الجزائري بالمعارضين في الجزائر، مؤكدًا أن كل جزائري لديه الحق في الانتقاد، لكن بصفة "حضارية" وباحترام تقاليد البلاد. وقد كرّر تبون هذه العبارة أكثر من مرة خلال اللقاء، مشددًا على أنه "يعيدها أمامهم في برلين: مرحبًا بالمعارضين".
غير أن هذه التصريحات أعادت إلى الواجهة الجدل حول واقع الحريات في الجزائر، بعدما قوبلت دعوته إلى ممارسة ما سماه "المعارضة الحضارية" بموجة واسعة من التشكيك، في ظل استمرار الانتقادات الموجهة لسجل السلطات في التعامل مع المعارضين والناشطين. كما وصفتها بعض وسائل الإعلام ونشطاء المعارضة في الخارج بأنها "فخ سياسي" أو "دعوة ملغومة"، معتبرين أنها مجرد مناورة سياسية وتعهدات شفهية لتجميل صورة النظام أمام الشركاء الغربيين ما لم تُترجَم إلى خطوات عملية داخل البلاد.
مضمون الرسالة: أربعة مطالب مركزية
في رسالتهم، أوضح الموقّعون أنهم أخذوا علمًا بتصريحات الرئيس التي تُقرّ بشرعية معارضة السياسات العامة وتقديم بدائل لمستقبل البلاد. لكنهم شدّدوا على أن عودتهم إلى الجزائر -وهو حق دستوري غير قابل للتصرف من حيث المبدأ- قد تعرّضهم فعليًا للتوقيف أو المتابعة القضائية أو إجراءات تقييدية أخرى بسبب آرائهم ومواقفهم العلنية ونشاطهم السياسي.
وحدّد الموقّعون أربعة مطالب أساسية لترجمة هذا الخطاب إلى واقع:
ضمان حرية التنقل: إنهاء العراقيل الإدارية المرتبطة بمنح وثائق السفر، ووضع حدّ للمنع غير القانوني من دخول التراب الوطني، وكذا حالات منع مغادرة البلاد (ISTN) الصادرة دون قرار قضائي ولمدد تعسفية.
التخلي عن اشتراط "التوبة": وقف ممارسة إرغام بعض الناشطين على توقيع وثائق تعهّد بالتراجع عن قناعاتهم كشرط ضمني أو صريح للعودة، مع التأكيد على أن الرأي السياسي ليس جريمة تستوجب الاعتذار.
حرية التعبير دون تجريم: احترام حق الجزائريين في التعبير عن آرائهم ونقدهم واقتراحاتهم دون تشهير أو وصف بـ"أعداء الأمة" أو التهديد بإسقاط الجنسية.
إلغاء النصوص القانونية المقيّدة للحريات، وفي مقدمتها المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي يرى الموقّعون أنها تجرّم بشكل مباشر التعبير السياسي الذي يقول الرئيس اليوم إنه يعترف بشرعيته.
وربط الموقّعون بين هذه المطالب الموجّهة إلى معارضي الخارج وضرورة اتخاذ إجراءات مماثلة لفائدة معارضي الداخل، داعين إلى "عفو عام لفائدة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وجميع الأشخاص الملاحقين أو المحكومين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم وحرياتهم"، معتبرين أن هذه الخطوة تمثّل أول اختبار عملي لجدّية الخطاب الرئاسي.
ويأتي هذا الجدل في وقت لا تزال فيه عدة ملفات حقوقية وقضائية تُغذّي شكوك المعارضة في الخارج حول واقع الحريات داخل الجزائر:
قضية نصيرة ديتور: رئيسة جمعية "أس أو أس المفقودون" ومنسقة تنسيقية عائلات المفقودين في الجزائر
وهي مواطنة جزائرية، مُنعت من دخول بلدها في 30 جويلية 2025 عند وصولها إلى مطار هواري بومدين، حيث احتجزتها شرطة الحدود لمدة ثلاث ساعات دون تفسير أو مبرر، قبل أن تُرحَّل إلى فرنسا في اليوم نفسه. ووفق ما روته لاحقًا، فإن الوثيقة الوحيدة التي سُلّمت لها كانت محضر إبعاد استند إلى قانون خاص بشروط دخول الأجانب، رغم أنها مواطنة جزائرية وليست أجنبية. وقد رفضت المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر، في فبراير 2026، الطعن الذي تقدّمت به ديتور ضد قرار منعها، وأحالت القضية إلى مجلس الدولة. كما طالبت مقررة أممية خاصة بحقوق المدافعين عن حقوق الإنسان السلطات الجزائرية بتقديم تفسير رسمي للواقعة.
قضية فتحي غراس المنسّق الوطني للحركة الديمقراطية والاجتماعية
أيّدت محكمة الاستئناف لدى مجلس قضاء الجزائر، يوم 21 جويلية 2026، الحكم الابتدائي الصادر بحقه والقاضي بسجنه عامين نافذين مع غرامة مالية قدرها 300 ألف دينار، في قضية متعلقة بتصريحات اعتُبرت مسيئة لرئيس الجمهورية. وقد سبق أن أمضى غراس تسعة أشهر في السجن عام 2021-2022 بتهم مرتبطة بنشاطه السياسي. وفي أول ردّ فعل حزبي على تأييد الحكم، أعرب حزب العمال عن تضامنه الكامل مع غراس، معتبرًا أن إدانته جاءت على خلفية نشاطه وتصريحاته السياسية.
سياق متوتر
تُقرأ هذه الرسالة في سياق يتسم بتناقض ظاهري بين خطاب رئاسي منفتح تجاه معارضي الخارج، واستمرار ملاحقات قضائية وإجراءات إدارية تطال أصواتًا معارضة وحقوقية وصحافية في الداخل، من بينها -بحسب ديتور نفسها- حالات سابقة طالت صحافيين وناشطين آخرين. ويرى مراقبون أن مصير هذه المبادرة الرئاسية سيتوقف على مدى استعداد السلطات لمراجعة الإطار القانوني والممارسات الأمنية المرتبطة بحرية التنقل والتعبير، وليس فقط على التصريحات السياسية.
حكيم ش



تعليقات